آراء حرة

 

 ماذا بقي من الحلم السوري ؟



2013/03/17

للحظة في كل التاريخ القريب , بعد مظاهرة الحريقة ثم الحريق الذي اندلع من درعا ليمتد رويدا رويدا إلى كل مكان , للحظة بدا أن السوريين كانوا على وشك انتزاع مصيرهم بأيديهم .. اكتشفوا سريعا ما كانوا يعرفونه مسبقا من أنهم يواجهون نظاما استثنائيا باستعداده للقتل , نظاما يقوم على شبكة أمنية دقيقة التنظيم , استطاعت الصمود سنتين أمام كل نضالاتهم و تضحياتهم لإلحاق هزيمة نهائية بها .. جاء أيضا أساطين المال و السياسة في هذا العالم , جاؤوا ليحصلوا على نصيب من الكعكة السورية , أو الإقليمية أو العالمية من البوابة السورية , من بوابة آلام السوريين .. مرة أخرى عاد مصير السوريين ليكون بعيدا جدا عن متناولهم , ليصبح لعبة بيد سادة هذا العالم .. من جانبه , فعل جزار دمشق كل ما يمكنه ليحول الحلم الجميل الرائع الذي داعب خيال أغلب أو أكثر السوريين قبل سنتين إلى كابوس , أنزل الطاغية أقسى عقاب ممكن بعبيده لأنهم حلموا بالحرية .. ثم اكتشف السوريون أيضا أن سقوط عشرات الآلاف منهم لا يعني شيئا لسادة هذا العالم , أبعد مما تفرضه مصالح \"بلدانهم\" أو مصالح الطبقات الحاكمة فيها أو الطغمة الحاكمة و المتنافسة في هذا العالم .. تحولت مأساتنا إلى مسلسل تلفزيوني مثير , إلى مادة دسمة للصور و الأرقام لنشرات الأخبار , إلى تبادل للتصريحات و الشتائم , إلى منافسة بين سادة العالم , بالدم السوري .. بعد أن كان جيلنا جيلا ضائعا ها هو يصبح جيلا شهيدا , تحت أنظار كل السادة , صمتهم أو تواطؤهم أو مشاركتهم .. حفنة من الساسة , بينهم عدد مهم من المليارديرات و أشباههم , هم من يملكون اليوم الكلمة الفصل في ما أصبح يسمى بالأزمة السورية , بالمجزرة السورية .. لم يعد من دور للسوريين إلا أن يموتوا , و يجوعوا , و يفروا بما تبقى لهم إلى حيث استطاعوا .. لكن خلافا لما قد يبدو على أنه تحريض على النواح , و شتم كل شيء , حتى و إن كان مستحقا , فإن معاينة هذا الواقع بكل تفاصيله المأساوية يمكن أيضا أن تذهب أبعد من هذه النتائج الانهزامية , من الدعوة للاستسلام للواقع , للطاغية , الخضوع من جديد للقوة الغاشمة , للسفالة أو للوقاحة , للمال , للخداع , أو للوهم .. صحيح أن هذا العالم قاسي لدرجة لا يمكن احتمالها أو تصديقها , صحيح أيضا أن مواجهة الموت مهمة مستحيلة , حتى أن تموت من أجلك أنت .. لذلك يرش السوريون السكر على جروحهم , لأنه كما قال جورج أورويل , لا يوجد أبطال في مواجهة الألم , و لشدة الألم , يستعين السوريون ببعض المسكنات .. لا مجال لتأويل باطني لما يجري في سوريا اليوم , حيث سيبقى السؤال كما هو دائما , من الذي يقاتل و يموت من أجل الآخر , هل يقاتل البشر من اجل الآلهة , أم أن الآلهة تقاتل من أجل البشر ؟ و كما قال ماكس شتيرنر في الأنا و ما يملك , أي قضية أخرى غير \"قضيتي\" ( خارج أناي , خارج ذاتي ) , هي في النهاية , ليست قضيتي .. عندما يموت البشر من أجل الآلهة , عندما لا يتصرف البشر كآلهة , كسادة , عندما يموتون في سبيل الآلهة , فإنهم يعيدون إنتاج عبوديتهم , الوهم الذي يستعينون به لمقاومة هذا الواقع يخنقهم هم في النهاية , الوهم لا يحرر أحدا , الوهم في أفضل الأحوال , يخلق سادة جدد .. في زمن الثورات , التعبير الأقصى عن الحياة , تفقد الكلمات الكثير من معناها .. في سوريا اليوم , يمكنك أن تجد أي شيء , لأن كل شيء موجود بالفعل , لكن الناس لا ترى كل شيء عادة , إنهم يرون فقط خصومهم , ثم يبدؤون بالتلفت حواليهم .. بعد سنتين من المجزرة أن تستمر بالكتابة , و أيضا بالتحليل , بشكل عقلاني , حيادي , لا هستيري , هو أقصى تطرف لاعقلاني .. أيضا , لا أعتقد أن الكلمة تساوي رصاصة , مع الاعتذار للجميع , الرصاصة اليوم تساوي دولارين في سوريا , رصاصة الكلاشينكوف , و من جهة أخرى تساوي حياة , بل يمكنك برصاصة أن تقضي على أسرة بكاملها , أو على الأقل على ضحية إضافية : عاشق أو عاشقة , أم , ابن أو ابنة , أشلاء أرواح ميتة على قيد الحياة تلاحقها أطياف أشلاء أحبائها .. حقيقة أن الأفكار لا تموت بموت البشر هي جزء من فظاعة هذا العالم أيضا .. لكن أسوأ شيء تفعله في مواجهة كل هذه الفظاعة هو النواح , صحيح أن تبرير الفظاعة عمل لا إنساني أيضا , و بالتأكيد ممارستها , لكن النواح , الإنكار وحده , يكرس تلك الفظاعة , يكرس سلطتها المطلقة على كل شيء .. في العالم الغابة الذي نعيش فيه , مجرد وجودك نفسه يجعلك جزءا من المجزرة .. لكن دعونا نتأمل بالواقع مرة أخرى , دعونا نبحث , و نحاول أن نقول كلمة الحق الممكنة , إن وجدت , على أقل تقدير : ففي نهاية المطاف , في كل هذا الهراء و العبث , القوة الوحيدة الضامنة لأي شيء لن يكون إلا السوريين أنفسهم , شبقهم بالحرية , عشقهم لها , ولههم بها , لا يوجد أي ضامن آخر لأن يخرج السوريون من هذه المجزرة أفضل مما دخلوها قبل سنتين , يتوقف كل شيء في النهاية على أن تستمر روح آذار , اللاهبة , حية في قلوب و عقول و مخيلة السوريين , اليوم و غدا , و بعد غد .. إنها ليست مجرد كلمات , إنها ملخص مؤلم لعامين من الموت و الحلم و البطولة : لن يمنح أحد الحرية للسوريين , سيكون عليهم أن يقاتلوا مرة و أخرى و ثالثة في سبيلها , في وقت ما ضد كل السادة ربما , الفرق أنهم يعرفون هذه المرة أن القرار يبقى في أيديهم هم , و أنه قرار باهظ الثمن جدا , جدا , في مثل هذا العالم الغابة الذي نعيش فيه .

مازن كم الماز

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية