آراء حرة

 

فانتازيا ثورية : كافكا في دمشق



2013/05/03

مقدمة : كتبت من قبل ستالين يذهب إلى درعا , باكونين يذهب إلى درعا , هذا هو الجزء الثالث من الملهاة السورية , ما يزال أمامنا الكثير , يوما ما سيكتب أحدنا المذكرات الأخيرة لدون كيخوت السوري , و لسبارتاكوس الذي لا ينتصر و لا يموت
كان الجو مشبعا بالانتظار , أشاع النظام و شبيحته أن مجزرة جديدة ستقع , أن الجيش الحر سيدخل المدينة و سيقتل الجميع .. انتشر الشبيحة في كل مكان , هرب الكثيرون , بقي البعض , و بقيت أنا .. عندما طرقت ذلك الباب أول مرة , ظهر وجهها من وراء معدنه الكئيب , كانت تبتسم .. و وجدت يدها تحتضن يدي , دخلت , عرفتها عن نفسي , ثم جاء والدها , و بعده أختها الصغرى .. أحسست بحذر هائل و بشيء من الخوف , صديقي مات هنا , قتل هنا , و ها أنا ذا في نفس المكان , أبحث كما كان يبحث , عن ملجأ .. كان طيف صديقي يكتم أنفاسي , و لم أتخلص منه إلا عندما لفظت اسمه في وجوههم .. غابت الابتسامة عن وجهها , و بدا لي أن أختها أيضا قد أصبحت أكثر حزنا .. لكني لم أسأل عن شيء , اكتفيت بالصمت .. بعد يومين أو ثلاثة , كانت ابتسامتها تلاحقني في كل مكان , و صورة صديقي أيضا , لأجدها في حضني , ثم لأجد نفسي في فراشها , و تساءلت و أنا ممدد بجوارها : هل جئت هنا لأعرف من قتلك أيها الصديق ؟ كانت عيناها تسألاني نفس السؤال , لكن أختها بصقت ذلك السؤال في وجهي مباشرة , بكثير من الألم و التوتر , لكني ببساطة لم أكن أعرف الجواب .. أصبح القصف يوميا , النظام يشيع أن الجيش الحر يقصفنا بالهاون من قرية مجاورة .. في ذلك اليوم سقطت قذيفة داخل البيت , انفجرت الدماء من ساقها , و رأيت وسط الدماء عظما أبيضا مكسورا , حملتها , مع ساقها النازفة , و ركضت بها إلى المشفى البعيد .. كانت تصرخ بي أن أتوقف , قالت لي أنها تريد أن تموت , أخيرا قالت لي أنها تخشى علي , أنني مطلوب و لا يجب أن أمشي هكذا في الشوارع .. لم أكن أصغي إلا للدماء النازفة من ساقها , كنت كمن انتابته نوبة من الجنون .. ربما كانت تلك الدماء هي جواز عبوري عبر حواجز الأمن و الشبيحة العديدة .. في المستشفى , ودعتها بصمت , و هي أيضا ودعتني بصمت , رأيت في عينيها شكرا ما , لوما ما , غضبا ما , و شيئا آخر لم أره من قبل .. وصلت البيت المحاصر بنفس طريقة خروجي منه , كأن شيطانا ما يرافقني أو كأني أنا ذلك الشيطان , كان رجال الأمن و اللجان الشعبية يكتفون بالنظر إلي بحزن .. كانت أختها تبكي , لكنها بعد بعض الوقت بدأت تتحدث , سألتني عن سر تصرفي الغبي هذا , و عندما لم أجبها غضبت , همت بضربي , سألتني : ألم أسمع بتلك الشائعات التي زعمت أن أختها هي من سلم صديقي للأمن , قلت لها أني سمعتها , عندها صرخت في وجهي هل أنا مجنون ؟ آتي للبيت الذي قتل فيه صديقي طالبا الأمان , و أتجول في الشوارع وسط رجال الأمن و الشبيحة حاملا امرأة تموت ؟ .. عندما عادت إلى البيت كان جسدها محموما , و كان جهازا معدنيا غريبا ملتصقا بساقها المكسورة , أصبحت عيناها أكثر جنونا و حزنا , كانتا معلقتين بي دائما , و سرعان ما اعتدت على صفائهما الجديد .. قالت لي أختها بغضب أنني شرير , أنني خططت و تآمرت لكي أملك قلب أختها , أنني جعلتها عبدة لي .. في ليلة باردة التصقت بجسدها المحموم , كانت بين ذراعي كقطعة نار تذوب و هي تصرخ .. و في الصباح التالي ماتت .. بقيت أنا و أختها الصغرى , بعد ثلاثة أيام من البكاء , بينما كان عيناها و صوتها غارقين في الدموع , قالت لي في حالة كالاعتراف , أن أختها قد أحبتني حقا .. و فجأة انفجر شيء ما داخلها و بدأت تهذي , قالت لي أن صديقي لم يكن ملاكا , أنه نام أولا مع أختها , ثم نام معها , و وعد كلا منهما بالحب و الأطفال , بالسفر إلى بلاد بعيدة و بألوان لم يرها أحد .. و عندما اكتشفتا الخديعة قررتا قتله , ذبحا .. مات صديقي هنا , على هذا الفراش , اعتقد الجميع أن الشبيحة هم من قتله لأنهم وجدوه مذبوحا من الوريد إلى الوريد .. بدأ الطرق على الباب , لم يكن الطارق يطلب الإذن بالدخول , كان يريد تحطيم الباب , هل اكتشفوني ؟ أم أنها المجزرة الموعودة ؟ كانت أختها نائمة أمامي , بصمت , بوداعة , كأن هذه الضجيج لا ينتمي لعالمها أو أنها لا تنتمي إليه , تأملت وجهها بهدوء , أصبحت الطرقات على الباب مثل طلقات الرصاص , و دوت معها أيضا صرخات مجنونة ماجنة , بقيت عيناي معلقتان بوجهها , و أحسست بطيف أختها إلى جانبي , فجأة شعرت بالهدوء في المكان , حتى تلك الضربات المجنونة على الباب بدت جزءا من ذلك الهدوء , أغمضت عيني بصمت , رأيت وجوها مذبوحة و سيقانا مكسورة و عيونا تبكي و نساءا تحلم بالسفر إلى بلاد بعيدة و بألوان لم يرها أحد , رأيت وجه صديقي و لأول مرة كان قبيحا , كانت الطرقات على الباب و الصرخات القادمة من ورائه قد أصبحت كدوي المدافع , لكن الهدوء بقي سائدا على كل شيء .

مازن كم الماز
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية