آراء حرة

 

تحولات النخبة



2013/09/17

تجري في سوريا اليوم أعمق عملية تغيير اجتماعي منذ قرارات الإصلاح الزراعي في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين التي قلبت بنية المجتمع السوري يومها رأسا على عقب .. تجري اليوم عملية إعادة توزيع الثروة , و من ثم السلطة ربما , بين الطبقات الاجتماعية , عملية إعادة تشكيل الاصطفاف الاجتماعي و الطبقات الاجتماعية , خاصة الطبقة الحاكمة و النخبة الاجتماعية .. تنقسم النخبة موضوعيا , إلى نخبة حاكمة , و أخرى معارضة , و لا شك أن النخب المعارضة هي دائما حليف \"خطر\" للجماهير المقموعة , لأنها عادة ما تسعى لاحتلال مكان السادة القدامى في حالة سقوط الأخيرين .. إن تبني الثورة السورية , أو الجماهير السورية الثائرة , خطابا دينيا هو أكثر من مبرر في مواجهة ديكتاتورية ترفع شعارات و تبريرات \"علمانية\" لاستبدادها , لكن موقف النخبة المعارضة هنا يختلف جذريا في مبرراته و أهدافه عن التوظيف التحرري للفكر الديني من قبل الجماهير السورية الثائرة .. إنه في الواقع جزء من عملية إعادة تشكيل النخبة السورية , الاجتماعية , المالكة , و ربما الحاكمة , و أيضا المثقفة .. ذلك الجزء من الجماهير السورية الثائرة , خاصة \"قادة\" كتائب و ألوية الجيش الحر و الكتائب التي توصف بالإسلامية و بدرجة أقل بعض قادة الحراك المعارض و السلمي الذين أصبحوا عمليا جزءا من النخبة الاجتماعية , بتبنيهم للإيديولوجيا الدينية لا يعبرون فقط عن طموحهم بقيادة سوريا \"الجديدة\" , بل إنهم بذلك ينتقون و يشحذون سلاحهم الإيديولوجي لإنجاز هذه المهمة , مهمة السيطرة على الجماهير و تثبيت وضعيتهم الاجتماعية الجديدة في شكل سلطة جديدة .. يمكن القول بأن هذا التبني هو فعل واع لدرجة كبيرة , بمصالحهم و موقعهم الاجتماعي الجديد .. و يصح هذا أيضا على نزوع النخب السورية \"العلمانية\" المعارضة نحو تطييف خطابها السياسي و الفكري .. المشكلة مع هذا الموقف ليس إيديولوجيا , بل أبعد من ذلك , إنه في إصرار النخبة الجديدة على تحويل القراءة التحررية الشعبية للدين إلى إيديولوجيا كهنوتية جامدة و تنصيب نفسها ككهنوت خاص بتلك الإيديولوجيا الحقيقة المطلقة .. ليس غريبا إذن أن نجد إقبالا منقطع النظير بين هذه النخبة الجديدة على التعمق في التفاصيل الصغيرة و البعيدة عن الواقع , خاصة واقع الجماهير المقموعة و المهمشة , في الفقه الإسلامي و غيره من العلوم الدينية و تركيزها على النصوص التي تصر على شكل سلطوي هرمي لجماعة المؤمنين , على \"ضرورة\" و \"فضائل\" وجود قيادة عليا , أمير , ولي أمر , و على وجوب الطاعة لولاة الأمر مستندة إلى إرث طويل من تاريخ الدول الإسلامية القروسطية و ما أنتجته من فقه سلطاني متخلية بذلك عن كل ما هو تحرري و ثوري في الخطاب المعاصر للإسلام السياسي و الذي أخذه من الفقه الثوري لأول و أهم الثوار في وجه الدولة الإسلامية القروسطية : أي الخوارج و الذي استخدمته هي نفسها ضد النظام القائم و ربما ستستمر باستخدامه بحذر حتى سقوطه النهائي , يبدو كل هذا ضروريا لتأسيس مشروعية الوضعية السياسية و الاجتماعية الجديدة للنخبة الجديدة , و التي تنتظر سقوط ديكتاتورية الأسد لتصبح نهائية و مهيمنة , و لا شك أيضا أن هذه الثنائية ( نظام نخبة ) تعقد , و ربما تشوه , نضال الجماهير السورية ضد النظام في سبيل حريتها .. خلافا لما قاله تشومسكي من أنه على من في السلطة أن يثبت في كل لحظة ضرورة وجود هذه السلطة و وجوده هو على رأسها , تلجأ النخب إلى خدعة معاكسة , إنها تنسب وضعية مطلقة فوق المجتمع للسلطة , لسلطتها , و تترك لضحاياها الحاليين و اللاحقين أن يبرروا خروجهم عليها دفاعا عن أنفسهم , الفرق هو في الحجج التي تستخدمها النخب لتنسب لنفسها و لسلطتها صفة الإطلاق تلك , النخبة الجديدة تفعل ذلك اليوم أيضا , صحيح أنها تفعل ذلك استنادا إلى إيديولوجيا مختلفة , لكنها تنتهي إلى نفس النتائج التي انتهت إليها كل الأنظمة السابقة

مازن كم الماز

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية