آراء حرة

 

تعليق على بيان مجموعة من الصحفيين السوريين



2015/06/21

يشير بيان عدد من الصحفيين السوريين عن ضرورة منع تقسيم سوريا , الذي جاء كإدانة مستحقة لممارسات ( أو جرائم ) ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا , إلى التحول الكبير الذي شهدته الحرب الأهلية السورية منذ اندلاعها في أواخر 2011 و اشتدادها في 2012 .. من حرب "عادلة" , بين نظام و عبيده , حرب في سبيل الحرية , إلى حرب على نمط الحرب العالمية الأولى : تخاض في سبيل "الوطن" , تحت راية الوطن , لمنع تقسيم الوطن , الخ .. لا يعكس هذا فقط الطابع الأهلي المتزايد لتلك الحرب , الواقع منذ وقت طويل , بل يعكس هذا التحول في شعاراتها و أهدافها , بشكل أكبر و أهم , تحولا جذريا في طبيعتها .. تحول شعار الحرية الأولي للثورة إلى شعار منع تقسيم سوريا على أساس الشراكة ( أو ما يمكن اختصاره : بالانتقال من المشاركة إلى الشراكة ) يعكس تغير القوى الرئيسية الممثلة في "الثورة" و معه تحول دراماتيكي في هاجسها المركزي : من شعب يبحث عن حريته , أي مشاركته في صنع مصيره , إلى نخب تتطلع و تتنافس على السلطة , من الصراع ضد الدولة إلى الصراع على الدولة .. لا يوجد شعار يعبر عن حقيقة الصراع على الدولة من شعار الشراكة .. رغم جاذبيتها المفترضة في هذا الصعود الهستيري في الخطابات المذهبية و الطائفية و القومية , الشوفينية إن لم نقل الفاشية , لكن منطق الشراكة لا يقر فقط , بل يفرض , واقع انقسام الناس حسب طوائفهم و قومياتهم أو أي موروث آخر مفترض , و يفرض على الناس "زعامات" طائفية , تحقق زعامتها إما بمنطق التغلب الميليشيوي أو بمنطق المزاودة في خطاب الكراهية , إن منطق الشراكة يلغي وجود الناس الذاتي المستقل , يلغي مصلحتهم الذاتية المستقلة , يلغي قرارهم الذاتي المستقل .. أما إذا تحدثنا عن "طوائف" و "قوميات , فإن الشراكة لا تعني المساواة بأي حال من الأحوال , بل على العكس , اختيرت كلمة الشراكة بالتحديد لأنها تعني شيئا أقل بكثير من المساواة , و بهذا المعنى كانت الشراكة موجودة على الدوام , حتى في ظل نظام الأسد , بل خاصة في ظل نظام الأسد .. في الواقع , قام نظام الأسد على منطق الشراكة بين الطوائف , كان توزيع المناصب البيروقراطية و المكاسب المرتبطة بها دقيقا بين الطوائف السورية , طبعا إلا في الجيش و أجهزة الأمن .. و حتى قبل أن تتقاسم النخبة الحاكمة مكاسب نهبها للناس العاديين مع البرجوازيتين الشامية و الحلبية , غازل نظام الأسد البرجوازية الشامية قبل انقلابه على رفاقه الذين هاجموا مصالح تلك البرجوازية بشكل صدامي , واعدا إياها بتغيير سياسة أسلافه المعادية لمصالحها .. إن شعار الشراكة كأساس مزعوم لسوريا "جديدة" تتكون ملامحها تدريجيا يعني شيئا واحدا , الحفاظ على منطق الدولة الأسدية في اللا مساواة , اللا عدالة , و الأهم : في انعدام الحرية , مع تغيير قواعد "الشراكة" , أي تغيير الفئة المستفيدة من هذا النظام .. ليست سوريا القائمة ككيان سياسي إلا خيار موظفين درجة ثانية في وزارتي المستعمرات الفرنسية و البريطانية , أما في الواقع فقد كانت على الدوام سجنا لأبنائها , بدرجات متفاوتة من القمع و التهميش .. كان الجميع , ممن هم خارج النظام , ضحايا بشكل أو بآخر , لكن نظام اللا مساواة القائم على "الشراكة" اتخذ لنفسه دائما ضحايا فرض عليهم قمعا و تهميشا أكبر , هذا هو منطق المفاضلة في دول كدولنا .. كانت الثورة السورية من فعل جزء عريض من الجماهير الأكثر تهميشا , سواء من الطبقة الوسطى و من داخل البيروقراطية نفسها , أو من الطبقات الأدنى , و من الطبيعي أن توجد مصالح متناقضة في ما يسمى بمعسكر الثورة , بين فئة صاعدة تريد الحفاظ على منطق دولة الامتيازات لتستولي هي عليها و بين الناس الذين من مصلحتهم إلغاء دولة الامتيازات مرة واحدة و إلى الأبد .. المشكلة هنا أن الفئة التي وجدت نفسها و هي تشق طريقها نحو رأس الهرم امتلكت مشروعها أو مشاريعها الواضحة و المتكاملة , بينما لم يتمكن الناس العاديين من وضع مشروعهم الذي يفترض ان يحقق لهم الحرية و العدالة و المساواة .. أحد إشكاليات الثورة ليست فقط هيمنة العقل السلطوي على ناشطيها أو ثوارها , بل أيضا ضعف الخيال عندهم في ابتكار أشكال تنظيم جديدة تقطع بالكامل مع ماضي القمع و التهميش السلطويين .. كانت الثورة فرصة للبحث عن أشكال تنظيم أخرى تتناسب فعلا مع هدف حرية الناس العاديين , فرصة لإعادة خلق "سوريا" , ليس كسجن لأبنائها , و بالتأكيد ليس كخيار مفروض عليهم من قوى دولية أو محلية , كخيار يفرض و يحافظ عليه بقوى القمع و التشبيح , بل كخيار حر لهم , بحيث يمكنهم من إلغاء الاستغلال و الإكراه و القمع من حياتهم إلى الأبد .. أحد أسوأ مظاهر هذا الخيال المتردد , هو عودة الجميع إلى "الحل" الأسهل , كما يبدو للعقل السلطوي , في مواجهة أية مشكلة أو مأزق , ألا و هو الديكتاتورية .. ما أن بدا واضحا أن شيئا ما ليس على ما يرام , حتى عاد الحديث القديم عن مدى استعداد الجماهير للحرية و اتهامها بالمسؤولية , و لو الجزئية , عن انحراف الثورة و استعصائها و عدم استكمالها الخ مع تبرئة القوى المسؤولة فعلا عن هذا الانحراف و المستفيدة منه أو الدفاع عنها , لينتهي ذلك مع تعمق كل هذه المآزق إلى الدعوة لأشكال وطنية أو ديمقراطية حتى , و مؤقتة طبعا , من الديكتاتورية , مع عدم محاولة نقد الأسباب و القوى التي دفعت إلى هذا االتنافس بدماء الفقراء و الناس العاديين في سبيل مصالحها , إن لم يكن الدفاع عنها و الاصطفاف إلى جانبها .. و مرة أخرى انتهى العقل الاختزالي إلى كلمة السر التي يحتاجها : داعش .. كل القوى السلطوية , المعارضة و الإقليمية و الدولية , التي نهشت لحم السوريين في تنافسها على مصالحها , جرى اختزالها من جديد في شيطان واحد , داعش التي تخدم شيطنتها الجميع , و خاصة في تقزيم مسألة الحرية , حرية الناس العاديين , و جعلها تبدو تافهة أو مجرد ترف في خضم معارك "أكثر أهمية" ( المنطق الأسدي القديم ذاته .. يمكن الآن أن نفهم أكثر ما هو عمومي في الدولة و المنطق الأسديين , اي الذي تحتاجه و تستخدمه أية سلطة , و ذلك الخاص بها ) ... هذا يعكس أيضا ضعف قوة السوريين العاديين اليوم و قدرتهم على المقاومة , يبرر هذا الضعف غياب مصالحهم شبه الكامل عن الصراع السياسي و العسكري و يجري توثيقه سياسيا بتحويل الصراع إلى صراع حول شكل النظام القمعي القادم و ماهية القوى المتحكمة به , و على الواقع بهيمنة لغة و خطاب القوة العارية التي تعامل الناس العاديين كمجرد ضحايا أو رعايا ..

مازن كم الماز
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية