آراء حرة

 

النزعة المازوخية في الثورة و الحياة



2016/12/19

ليست المازوخية هي مجرد اعتياد الإهانة أو الخنوع الخ من المعاني المتضمنة في أن تكون "ضحية" , إنها "التلذذ" بكل ذلك .. يختلف الدارسون في تفسير المازوخية , هناك من يراها نتيجة كبت جنسي ( فرويد ) أو أنواع أخرى من الكبت أو الإحباط و القهر , تنتج رغبة قوية في التدمير , قد توجه نحو الخارج فتصبح سادية , أو نحو الداخل فتتحول إلى مازوخية : رغبة بتدمير الذات و إهانتها .. و يراها البعض محاولة للهروب من الذات , من الأنا الحقيقية , لأن وعي الذات يخلق توترا و قلقا قد لا يمكن احتمالهما أو مواجهتهما إلا بإنكارها و إهانتها ..
البعض الآخر يعتبرها نتيجة الشعور بالذنب من حب نفس الشيء و كرهه ( أو الخوف منه ) في نفس الوقت ( كالحرية التي يتمناها العبيد لكنهم يخافونها , و يريدها البعض الآخر له و ينكرها على غيره , أو يخشى "تحولها إلى انفلات أو فوضى" ) .. الأكيد أن المازوخي أعجز عن أن يفجر توتره هذا , إنه يحتاج للآخرين كي يفعلوا ذلك نيابة عنه ..
لكن المازوخية ليست مجرد سلوك جنسي , شاذ أو طبيعي , إنها أكثر من ذلك : إنها عقلية و نمط سلوك متكاملان : اختصر نيتشه ذلك عندما تحدث عن أخلاق للسادة و أخلاق للعبيد ..
إذا تحدثنا عن الحرية و الثورة ( الكلمتان الأكثر ترددا في عالمنا اليوم , سلبا أو إيجابا ) يمكن القول أن هذه الأحوال المفترضة للذات البشرية هي نقيض المازوخية تماما ..
أن تكون سيد نفسك , أن تكون نفسك أولا , قد لا يعني ذلك أن تكون ساديا بالضرورة , لكنه يعني بكل تأكيد ألا تكون مازوخيا ..
أن تصبح سيد مصيرك يعني أن تتولى أمورك بنفسك , أن تحل مشاكلك بنفسك , هذا يعني بالتأكيد أن تتوقف عن الشكوى , الصفة الملازمة للمازوخيين , و بدلا من ذلك أن تبدأ بالصراع ..
الشكوى فعل يهدف إلى جذب انتباه الآخرين فقط , تماما كصراخ الأطفال عندما يجوعون .. لا يمكن للشكوى أن تحل أية مشكلة في عالمنا , إنها مجرد بديل سيء جدا , مازوخي , عن خوض الصراع بقوة و وعي ..
إذا لم يقدم أحدهم الطعام للأطفال الذين يبكون لأنهم جائعون , فإنهم سيموتون جوعا بلا شك .. لم يكن تكرار الشكوى و تحولها إلى صخب بكائي في الثورة السورية مجرد تعبير عن العجز بل فرضا لهذا العجز على السوريين في لحظة حاسمة كانت تتطلب منهم استفزاز كل طاقاتهم للصراع , أن يؤمنوا بأنفسهم .. كانت محاولات إقناع السوريين و تصويرهم بأنهم مجرد "ضحايا" , عبارة عن نكوص مازوخي خطير إلى تفكير العبيد ..
إذا حاولنا أن نعرف الثورة فهي باختصار سحق كل نزعة مازوخية , دون هوادة ..
دون ذلك لا تبقى الثورة ثورة ..
لا توجد ثورات يقوم بها مازوخيون , المازوخيون لا يجيدون إلا البكاء .. حسب طريقة نيتشه , لا يكفي أن تعلن أنك حر , أو أن يعلن لك أشخاص آخرون أنك قد أصبحت حرا , كل هذا لا قيمة له في الواقع : كي تصبح حرا عليك أن تتوقف عن التصرف كالعبيد و أن تتصرف كالسادة ..
عليك أن تتوقف عن الالتزام بأخلاق العبيد و أن تبدأ بممارسة أخلاق السادة , أي أن تصنع أخلاقك , و قيمك و سائر معايير سلوكك بنفسك .. بهذا المعنى فإن الثورة هي أشبه بالجريمة الكاملة , التي لا تكتفي بقتل "الأب" ( عند فرويد ) أو السيد , بل تقتل أيضا ذكراه , بقاياه , طوطمه , تقتل معه ذلك الشعور بالذنب الذي يدفع الأبناء "لعبادة طوطم أبيهم" و الخضوع لسلطته حتى بعد أن يختفي جسده ..
الثورة هي جريمة كاملة ضد السادة دون الاحتفاظ بأي شيء من إرثهم أو تراثهم دون أي تردد أو خوف مازوخيين , كما يقال "عن سابق قصد و تصميم" .. و بهذا المعنى فإن الثورة السورية هي , حتى الآن , جريمة ناقصة , غير كاملة ..

مازن كم الماز

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية