آراء حرة

 

 الفكر بين السلطة والسائد


2007/3/24

قد يبدو أنني ابدأ من نهاية الموضوع عندما أقول بوجود محددين أساسيين لهامش حرية الفكر ( تحديد و تقنين النشاط الفكري للأفراد و الجماعات ) هما السلطة و الخطاب السائد..كانت محنة ابن حنبل و المعتزلة و ابن رشد و ابن تيمية و الحلاج و غيرهم نتيجة إما لهذا الصدام مع الخطاب السلطوي أو الخروج على الخطاب السائد رغم أن فكر ابن حنبل و ابن تيمية سيغير فيما بعد علاقته الصدامية هذه و يتبادل الأدوار مع الصيغة الراهنة للخطاب السلطوي أو السائد فيتحول من موقع الصدام إلى التحالف و من التهميش إلى أن يصبح في موقع الخطاب السائد..مثلت السلطة المستفز الأول و الاشتراط الأبرز الأكثر أهمية للفكر في سياق علاقة جدلية مع المجتمع و النخبة المثقفة و المؤسسة الدينية..كان بنو أمية يقولون بالجبر و يعتبرون أنهم يحكمون بإرادة إلهية اختارتهم و أن أعمالهم مقدرة من الله تعالى..و في خضم المواجهة السياسية المحتدمة بين السلطة و معارضيها ستنشأ فرق الخوارج و بعض الجماعات المرتبطة بشكل جنيني بفكرة إمامة أهل البيت و سيبدأ الخوض في قضايا القدر* و حرية فعل العبد أو الجبر و الإرجاء..أما ابن حنبل فقد كان ضحية مشروع خاص بالمأمون مشروع كان يعبر عن مقاربة خاصة جدا للتاريخ و العقيدة و الحق و المقدس..تظهر خصوصية هذا المشروع في تعيينه لموسى الكاظم الإمام السابع عند الشيعة في ولاية العهد و اهتمامه بترجمة أرسطو و الفلسفة اليونانية و أخيرا تبني الفكر المعتزلي كخطاب رسمي للدولة..شهدنا ما يشبه مثل هذا المشروع في محاولة تغيير النظام من الداخل مع انتصار بعض الأمراء الأمويين الشبان لأستاذتهم القدريين لكن الظروف لم تسمح بوضع هذا المشروع موضع التنفيذ ( توفي يزيد الناقص الذي كان قدريا بحكم تتلمذه على شيوخ قدريين بعد توليه الخلافة بفترة قصيرة جدا )..سيستخدم مشروع المأمون جهاز الدولة القمعي و هنا سيختزل الفكر المعتزلي في تجريد مضاعف عن الواقع في جملة دوغمائيات** تنتهي إلى محنة خلق القرآن..و كان انقلاب المتوكل على المعتزلة تصحيحا لهذا الزوغان لعلاقة السلطة و الخطاب الرسمي و الخطاب السائد , بين مضمون خطاب السلطة و حقيقة أهدافه في تكريس سيطرتها على المجتمع كان اندماجا بين الخطاب السائد المضاد للعقلانية و بين خطاب و مؤسسة السلطة..هكذا ستنتهي المحنة بتبادل المواقع بين الضحية و بين مفكري القصر أما الجلاد فهو نفسه في الحالتين..الملفت للنظر هنا أن ابن حنبل كتلميذه ابن تيمية يقول بتكفير الآخر المخالف و إليه يعود طرح مفهوم البدعة و مساواتها بالضلالة في مقاربته لفكر مخالفيه..هذا الاستخدام للتكفير كأساس للعلاقة مع الآخر يؤكد على وجود تيارات فكرية تسلطية في صفوف المعارضة حسب الظروف التاريخية ظروف الصدام مع السلطة هنا كان هذا الصدام مع الفكر العقلاني التي تبنته السلطة مؤقتا..كان ابن رشد و الحلاج و ابن تيمية قد تعرضوا لمحنهم المعروفة بسبب خروجهم على السائد , هذا السائد الذي أصبح شيئا فشيئا يندمج و يتماهى بالسلطوي و أصبح الدفاع عن السائد واجبا من وظائف السلطة و جزءا أساسيا من مشروعيتها أمام المؤسسة الدينية...كانت محنة ابن رشد و الحلاج نتيجة مباشرة لخروجهم عن السائد الشعبوي الذي أصبح تاريخيا يميل لصالح أكثر التيارات لا عقلانية و أكثرها تشددا ضد الآخر و ممارسة لتكفير الآخر...سنجد مثلا أن مجرد الحديث إلى \"صاحب بدعة\" سيوجب شبهة الخروج من الإسلام ( أخبرنا المبارك بن أحمد نا..نا..يقول سمعت سفيان الثوري يقول : من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع و من صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة...و في مرض سليمان التيمي , شيخ الحرم المكي توفي 187 هجرية , بكى بكاء شديدا فقيل له : ما يبكيك ؟ أتجزع من الموت ؟ قال : لا , و لكني مررت على قدري فسلمت عليه فأخاف أن يحاسبني ربي عليه...تلبيس إبليس للجوزي ص 19 )..إن التكفير هو مصادرة للجدل و الحق في الاختلاف هو سلطة تمارسها المؤسسة الدينية تجاه الفكر الذي تعتبره \"هرطقي\" أو \"خارجي\" و هو نتاج أو تماهي مع جوهر علاقة السلطة بالمجتمع القائمة على التبعية و هي جوهر سلطة المؤسسة الدينية التي تحاول أن تشكل باستخدامها هذه المقاربة الخطاب السائد الشعبوي..في مقابل التكفير يذهب الآخر إما إلى موقف تكفيري مضاد أو إلى الأخذ بالتقية..قد نعزو تحرج ابن رشد مثلا عن استخدام التكفير ضد مخالفيه بتوازن القوى في الشارع الذي هو لصالح الخطاب المضاد للعقلانية لكن في مقاربة ابن رشد رؤية أعمق لما يمكن أن نسميه ثقافة التسامح..\" لقد دافع ابن رشد عن علوم الغير\" كما يقول محمد عابد الجابري ( قضايا في الفكر المعاصر ص 22 ) و هو في تأسيسه لمفهوم التسامح يرتفع بالتسامح إلى مقام العدل و المساواة بين الأطراف المتجادلة*** \" ينبغي لمن آثر طلب الحق إذا وجد قولا شنيعا و لم يجد مقدمات محمودة تزيل عنه تلك الشنعة أن لا يعتقد أن ذلك القول باطل و أن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له أنه يوقفه منها عليه \"..في مقاربته لثقافة التسامح ينبه د. محمد عابد الجابري أن مفهوم التسامح يحمل في منطقه الداخلي فكرة الاستبداد عندما يبدو أن التسامح كتعبير عن علاقة قوى أبعد من كونه مجرد مفهوم فلسفي أو مبدأ أخلاقي فهو في هذه الرؤية \"علاقة بين طرفين مسامح و مسامح معه و الذي يضبط هذه العلاقة هو ميزان القوى لا غيره.\" ( قضايا في الفكر المعاصر مركز دراسات الوحدة العربية 2003 ص 28 )..ينتهي الجابري عن حق إلى ربط التسامح بالعدل :\"إن التسامح حين يقرن بالعدل بالمساواة الحقيقية بين كل الأطراف..يبتعد عن أن يكون معناه التساهل مع الغير أو الترخيص له..الشيء الذي يضع المسامح في وضعية أعلى من المسامح له\" ( ص 31 )..يرى البعض الآخر في مفهوم التسامح تراجعا فكريا مرفوضا أمام الخصم الفكري عن حق الريادة عن حق التكفير باسم الخطاب السائد أو السلطوي..يقول سيد قطب : \" إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح و التقريب بين الأديان السماوية يخطئون فهم معنى الآيات كما يخطئون فهم معنى التسامح فالدين هو الدين الأخير عند الله و التسامح يكون في المعاملات الشخصية لا في التصور الاعتقادي و لا في النظام الاجتماعي \". ( دعوة التقريب بين الأديان 4 \\ 1528 – 1525 ) و يقول الدكتور محمد يحيى : \"إن دعوى التعددية تخفي وراء مظاهر التسامح و الرحابة الفكرية البراق دعوة عنصرية لفرض ثقافات و قيم و توجهات الغرب على الثقافات الأخرى و بالذات على الإسلام بوصفه دينا و عقيدة و ثقافة..فإن دعوة التعددية تسوي بين جميع الأطراف الداخلة فيها فلا يصبح هناك حق أو باطل , أو جيد أو رديء..بل الكل سواء طالما أنه دخل في سياق التعددية...و المحصلة النهائية مرة أخرى هي علمنة الإسلام أي نزع القداسة و المنزلة الإلهية عنه...\"...( مجلة البيان الأعداد 100 و 134 )..يختتم محمد عابد الجابري مقاربته لمفهوم التسامح بأن التسامح لا بد أن يرتبط ارتباطا لا انفصام فيه مع العدل و المساواة بين كل الأطراف\" إن الانطلاق من \"توفير حق الغير\" يضع في قفص الاتهام و في آن واحد كلا من التطرف الديني و التطهير العرقي كما أنه يحرج التفكير الأحادي الذي يلغي الحق في الاختلاف و يفضح مقولة صراع الحضارات التي تريد إخفاء الصراع حول المصالح..إن عالما يفتقر إلى العدل إلى الاعتراف بالآخر و بحقه في امتلاك خصوصية خاصة به و في تقرير مصيره...عالم مبني أصلا على الظلم على اللاتسامح و بالتالي لا معنى لرفع شعار التسامح ضده إلا مقرونا بالعدل الذي ينطلق بالعدل الذي ينطلق كما قلنا من توفير حق الغير..\"..قضايا في الفكر المعاصر ص32

مازن كم الماز

* يقال أول ما حدث القول بالقدر كان في الحجاز لما احترقت الكعبة فقال رجل : احترقت بقدر الله تعالى فقال آخر : لم يقدر الله هذا..الإيمان لابن تيمية ص 267
* إن تحويل الفكر إلى حالة دوغمائية يؤدي إلى إفراغه من مضمونه كالستالينية مثلا التي حولت الماركسية إلى دوغمائيات جامدة و أسست شرعية حكمها المطلق على وصايتها على \"طهرية\" الماركسية
*** في مناسبة الحديث عن المساواة و العدل في محاججة الأطراف المتجادلة أجد من الطريف أن أذكر بعض وقائع محنة شيخ الإسلام ابن تيمية..فقد ادعى البعض عند ابن مخلوف قاضي المالكية أنه يقول إن الله تكلم بالقرآن بحرف و صوت و أنه على العرش بذاته و إنه يشار إليه بالإشارة الحسية..و عندما هم ابن تيمية بالحديث استعجله القاضي فقال له الشيخ : من هو الحاكم فيَ ؟ فأشاروا : القاضي هو الحاكم , فقال الشيخ لابن مخلوف : أنت خصمي , كيف تحكم فيَ ؟...

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية