آراء حرة

 

ردّاً على ورقة حسين سليمان

حول الشِّعر السُّوري اللبناني في مرايا المهجر

 
صبري يوسف ـ ستوكهولم

بعد اطلاعي على الورقة التي قدَّمها الكاتب حسين سليمان ونشرها في جريدة الزَّمان اللندنية، تحت عنوان\" الشِّعر السُّوري اللبناني في مرايا المهجر\"، وجدت ما يستوجب الردّ عليه وتفنيد الكثير من وجهات نظره التحليلية، التي ابتعد عبرها عن أسس التحليل والنقد القويم.
إنَّ الرُّؤية التحليلية التي قدّمها حسين سليمان، تفتقر إلى الموضوعية والعمق الشَّيء الكثير، لأنَّني لا أرى أن معظم أعمال المهجريين يبحث فقط في الاغتراب، كما يزعم حسين سليمان، ولا يقارنون روحهم الضائعة مع روحٍ كانت لهم أيام وجودهم في الوطن الأم، بالعكس تماماً فإن أغلبهم يشعرون أنهم وجدوا روحهم بعد أن كانت ضائعة في أوطانهم الأمّ فلو نظرنا إلى حال الشَّرق وبلاد الشَّام التي يتحدّث عنها محلِّلنا، مَنْ مِنَ الشعراء لم يجد الحرية والديمقراطية والرَّفاهية والمجال المفتوح لتحقيق آماله وطموحاته وتطلُّعاته رغم الغربة التي تكتنف حياته في بلاد الغربة؟ وهي أرحم بكثير من الغربة في عقر داره وهو مغلَّف بالدمار والقمع والاضطهاد والحروب التي لها أوَّل وليس لها آخر، فهناك ملايين المغتربين لاذوا الفرار من بطش الواقع المرّ عبر مرحلة الحروب الطائفية الطاحنة في لبنان، وعبر الظروف المترجرجة على كفِّ عفريت في بلاد الشَّام، حيثُ أنَّ أغلب المبدعين المهاجرين وجدوا الرَّاحة والحرية والديمقراطية للتعبير عن رؤاهم على عكس ما كانوا يعانون منه في أوطانهم الأم.
من هذا المنظور أرى من وجهة نظري وعلى صعيدي الشخصي على الأقل أنني قادر على العطاء في بلاد الغرب والمهجر أكثر مما كنتُ أعطيه في دنيا الوطن، وربّما تمنحني الغربة نقاءً وصفاء في الكتابة، من شدّة الحنين إلى الوطن تارة ومن خلال توفر كل مستلزمات الكاتب من حرية التعبير وتوفير جوٍّ ديمقراطي وبُعْدِ المهاجر عن وطنه وأحبائه يجعله يتدفَّق عطاء وقدرة على ترجمة مشاعره دون أن يجد حوله رقيباً أو حسيباً على حرفه وشعره وتدفُّقاته!
كيف بنيتَ تحليلاتك واستنتاجاتكَ على أنَّ هناك انقساماً ذو طبيعة ديمقراطية بين الكتاب المهجريين في كيفية تناول الوجود العربي، موكّداً على أن هذا الانقسام يبدو لكَ أكثر من مرة تشتتاً منه تفرّداً في الرأي؟! ثم تضيف، \"الذي أريد قوله هنا هو الموقف السلبي للشعراء المهجريين من طبيعة الأمل العربي\"، وهل ترى أن هناك أملاً في واقع الحال العربي الذي يرزح تحت كابوس الحروب والانقسامات والديكتاتوريات وعبادة الاصنام في عصرٍ بدأت مسألة الحرية والديقراطية كأنها خبز الحياة ومن أولويات الحياة في دنيا الغرب؟ فأنا أرى أنه من البديهي أن يرى الشعراء المهجريين أو شعراء الداخل بخيبة أمل لما هو عليه الواقع العربي المرير!

ما علاقة هذا التحليل السفسطائي بشعر آمال نوّار، كيف بنيتَ رؤاك على أن آمال نوّار تقرأ ظهر الكفّ كي تقول ما في باطنه، وتتابع قائلاً: \"يجب قراءة الإطار قبل قراءة ما في داخل الإطار\"، أيُّ إطار تتحدّث عنه وما هذا الذي تجيده آمال؟ حبذا لو تجيبنا الشاعرة نوّار فيما إذا فهمت قصدك وفيما إذا توافقك فيما أنتَ تذهب إليه، ما معنى أن تقول لنا بأن آمال لا تقول الكلمات بقدر ما تقول الإطار، ماذا تقول نوار لو لم تقل بشعرها كلمات، هل ترصرص لنا إطارات وعجلات بدلاً عن الكلمات، وما هذه العملية الصعبة والشاقة التي تلجها وهي كما تقول عملية اختراع صعب في عالم العجلات والإطارات لما تركن إليه وظيفة اللغة، أليس هذا مجرد رصف كلمات فضفاضة وليس لها أية علاقة لأبجديات التحليل والتقويم؟!
لماذا لم تدرج لنا مقاطع من شعر آمال نوّار، تحلِّله وتفنّده؟! القارئ، قارئ تحليلاتكَ ينتظر منكَ تحليلاً ولا ينتظر منك رؤى مكتنفة بالضباب! ضباب كثيف، فاقع غير واضح المعالم!
ما الذي توضّح عند آمال نوّار كي يتوضّح عند الشاعرة منيرة مصباح، حيث تتوغل تحليلاتكَ بعيداً قائلاً: \"أن لغة القصيدة ليست بين طيّات الأسطر بل هي خارج الفيض والمعنى التي تقوله الكلمات\"، أسألكَ بربّ العباد والوداد، إن لم تكن اللغة بين طيَّات الأسطر فكيف تستطيع أن تلتقطها خارج الفيض والمعنى الذي تلتقطه الكلمات، هل تؤول الكلمات بما لا تعنيه الكلمات وبالتالي تصل إلى مرحلة أن تقرأ ما لا تقوله وتفهم ما لا تكتبه كما تفهمه أنتَ! أمرك وتحليلاتكَ فعلاً غريبة وعجيبة، ولا أعلم أية مدرسة نقدية هذه التي تبني عليها تحليلاتكَ وبهلوانياتكَ التي لا تخطر على بال الجنّ الأزرق، والطريف بالأمر تتابع قائلاً: \"انّها محاولة لتحميل اللغة وظيفة أخرى ذلك لتغيير مميزاتها وقدرتها المألوفة\"، هل قصدكَ أنكَ وصلتَ إلى استنتاج أن للغة وظيفة أخرى غير مدلولاتها ومعانيها، فتنسلخ عن ذاتها كمفاهيم ومعاني لتتغير بالتالي وظيفتها ذات الدلالات المعينة، إلى دلالات وقدرات ومميزات غير مألوفة؟!
صحيح أنَّ للغة طاقات خلاقة ومدلولات عميقة، لكن بالنتيجة هذه المدلولات وهذه الطاقات تنبع أولاً وأخيراً من اللغة، ولا تخفي اللغة بين أجنحتها ما لا نريد قوله وما لا نقصده، وما لا نعنيه، إلا إذا فهم المتلقي فهما مغايراً لما يقصده الشاعر فيخيل إليه أن الشاعر قصد ما فهمه القارئ وبنى فهمه المغلوط على تلحليلات لم يقصدها الشاعر.
ثم تذهب قائلاً، في مجموعة آمال نوّار الشعرية، \"تاج على الحافلة\"، \"نقرأ مقدرة نوار على التجريد وفي القصائد طاقة لا توجّه إلى الصَّورة الشعرية مباشرة بقدر ما توجّه إلى الطاقة الصوتية المجردة، إلى النَّفس الذي يحمله الهواء.\" ..
هل هناك طاقة صوتية مجرّدة، إنَّني لأول مرة أرى أن هناك طاقة صوتية مجردة يخفيها الشَّاعر خلف الصّورة الشعرية أو في باطن الصّورة الشعرية أو في قفا الصّورة الشعرية أو في مكان ما من الصّورة الشعرية وبالتالي تظهر كطاقة صوتية مجرّدة يترجمها محلِّل بارع، يرى كيف أن النَّفَس الذي يحمله الهواء، أشبه ما يكون بالطاقة المنبعثة من قوة التجريد على حدِّ زعمه فتمنح عروق القصيدة الحياة والجمال!

يا ما شاء الله! لمَ لا، ها هي الطاقة في قصائد آمال التجريدية، تمنح عروق القصيدة الحياة والجمال! بارك الله فيك يا آمال على هذه الطاقات التي تفجِّرينها في أعماق قصائدكِ التجريدية، وبارك الله في محلِّلنا البارع على تنويرنا واستدلالنا عليها إلى أن كدنا نلمسها لمس اليد وهي تضخُّ عروق القصيدة بالحياة والجمال والارتقاء!
أسأل فقط الشاعرة نوّار هل تستسيغ ما يقوله محللنا، أو هل كان يخطر على بالها هكذا حزازير أو فوازير؟!
تتساءل، كيف نفهم البيت الشعري التالي: \"وبأيةِ ظلال أتفاقم لأتقن الغبش؟\"، ثم تضيف: فالبيت قد زلزلته كلمة \"أتفاقم\"، عزيزي أنا لا أرى أن كلمة أتفاقم قد زلزلت البيت، بل أرى تحليلكَ قد زلزل البيت وزلزل آمال نوار نفسها، زلزلها دهشةً وغرابةً! ثم تتابع تحليلكَ قائلاً: \"كان من الممكن أن نفهم البيت بسهولة لو حلّت كلمة \"أتَّحد\" مكان أتفاقم، بأية ظلالٍ أتّحد لأتقن الغبش؟، أنا أرى أن كلمة أتّحد التي اخترتها قد زلزلت فعلاً الصورة الشعرية المفارقة التي رسمتها آمال، فالفعل أتفاقم الذي استخدمته آمال أكثر إيقاعاً شعرياً على الأذن من الفعل اتّحد، ولا يجوز أن نفكِّك الشعر والجُمَل الشعرية إلى مفردات وكلمات وحروف، ننظر إلى النصّ كحالة شعرية وتدفقات انسيابية، فلا كلمة ولا كلمات، لو وضعناها محل كلمة أتفاقم تغير من الأمر، بقدر ما تفسد خصوصية الشاعرة وبناء الصورة الشعرية، لأن الشاعرة هكذا تريد الجملة الشعرية، وهكذا جاءت الصياغة، ربما من دون تعمُّد، وتتابع قائلاً: ثم أنَّ الظلال غير الغبش، وهل الشاعرة لا تعلم أن الظلال غير الغبش، وكيف تبيّن لكَ أن في هذا المزج انبعثت صور تجريدية صعبة تمرُّ بستارها الحاجب فلا يبقى منها غير الطاقة التي يحسها القارئ؟

ليس من الضروري أن تفهم الشعر أو يفهمه القارئ والمتلقي والناقد بشكل حرفي ودقيق، ومباشر وكلي، الشعر هو تدفُّقات وتجليات، لا داعي أن يفهمه القارئ تماماً بل يكفي أن يتذوقه ويتمتَّع بقراءته ويفتح له آفاقاً جميلة وخلاقة، لأن الجملة الشعرية عندما تولد في أوج تجلِّيات الشَّاعر، تولد بطريقة لا يفهمها حتى الشَّاعر نفسه كيف ولدت ولماذا ولدت بهذا الشَّكل أو ذاك، أي لا يجد لها مدلولات مباشرة أو غير مباشرة، والجميل في الشعر وفي الإبداع الشعري هو هذا التأويل المفتوح الذي ممكن أن يبنيه النقاد على نصٍّ شعريٍّ ما، فكلَّما كان النصّ الشعري قابلاً لتأويلات عديدة وترك فضاءً رحباً للنقاش والتحليل، كان مبدعاً، فلا يمكن أن نحصر الشِّعر أو جملة شعرية أو كلمة شعرية بحسب أهوائنا، نحن كمتلقين علينا أن نقرأ الشِّعر، وما هو مطلوب منّا هو: تذوّقنا للنص الذي قرأناه، هل حقّق لنا متعة وفائدة، هل حرّك في دواخلنا شيئاً ما، هل حرّضنا على التفكير، على الكتابة، على التأمل، على التساؤل، على البحث عن بقية نصوص الشاعر/ الشاعرة كي نطلع على تجارب الشاعرة وعوالمها؟! لا أن نقرأ نصَّها ونطرح أنفسنا شعراء عليها، نقترح أن تبدِّل الكلمة الفلانية بالكلمة العلانية، ما كتبته قد كتبته! ونحن لسنا إزاء تنقيح وصياغة نصَّها من جديد، ناهيك أن ما هو جميل لدى القارئ باستخدام العبارة الفلانية ممكن أن لا يستهويه قارئ أو ناقد آخر قرأ النص، فالقضية يا عزيزي أعمق من أن نبدِّل كلمة هنا أو هناك، القضية مرهونة بجمال النص ككل، ولا يجوز تفكيك النصّ، بهذه الطريقة وتجريده من تحليقاته وايقاعاته وحيويته وانسيابيته، هذا ظلم كبير للشاعرة وللنص معاً، وما تراه أنتَ ربما لا يراه غيرك، وما يراه غيرك لا يراه الشاعر أو الشاعرة نفسها، وهذه الرؤى المتغايرة هي عين جمال القصيدة، فلو أخذ القراء انطباعات متشابهة لنص ما، غالباً ما يكون النصّ غير جامحٍ، لأن قوَّة النصّ تكمن بجمالية تدفّقه وقدرته على التأويلات.
ما هذا الانتقال الغريب، والمقارنة، غير المبرَّر لها، حيث تقول وبعكس المصرية إيمان مرسال التي تصنع صورها السهلة (سردية الطابع)، وتفاجئ بها القارئ، نجد صور آمال نوار بعيدة المدى ناضبة لمن لا يملك رؤى واسعة!
كيف بدَت لكَ صور مرسال السهلة ذات الطابع السردي تفاجئ القارئ، أي قارئ هذا الذي تفاجئه إيمان مرسال؟ وسواء تفاجئه أو لا تحرّك فيه ساكناً، ما علاقة شعر آمال بهذه المقارنة؟!

ثمّ تتابع متوقِّّفاً عند الشَّاعر السُّوري مروان علي، قائلاً أنّه: يخطو ببساطة على طريقٍ مستو ـ على الطريقة الكردية الصوفية ـ ويحمّل قصائده بغربة شديدة طابعها سردي صوفي، مستشهداً بمقطع من إحدى قصائده: \" أنا مروان علي/ ولدت في القامشلي/ وسأموت في امستردام/ حملتني الحياة حملها الثقيل وكنت كمن يمشي علي الماء أحيا وأفكر بالآخرين/ ناسيا نفسي وحياتي الشخصية لدرجة كنت أشعر انني الآخرون وكان الآخرون ينظرون اليَّ/ غريباً عنهم\".
هل في المقطع أعلاه صوفية كردية، هل مروان علي يخطو على الطريقة الكردية الصوفية، هل لمروان علي صوفية، سواء كانت كردية أو عربية أو هندية؟ لا يوجد لمروان علي أية علاقة بالنزوع الصوفي، لا الكردي ولا أي نزوع صوفي آخر، هل فعلاً تقصد ما تقصده، بأنَّ مروان علي يخطو على الطريقة الكردية الصوفية، أم أن هذه الجملة انزلقت منكَ سهواً وأنتَ في إحدى تجلياتكَ الصوفية؟!
أنا أرى أن قصائد مروان علي لا تحمل سوى الكلام العادي المباشر، وأودّ أن أسأل النقّاد والكتّاب الأكراد والعرب وغير العرب الذين يكتبون بالعربية، هل تصنِّفون مروان علي كشاعر ذات نزوع صوفي، أم انه شاعر ذات نصّ مباشر؟! لا أدري، كيف بدا لكَ أنه يخطو خطوات صوفية كردية في بنائه الشعري؟!
ثم تنتقل وتضع عنواناً فرعياً، قائلاً: صعوبة صناعة الصورة، مضيفاً، \"نجد ممَّا نطالع من أشعار ونصوص أدبيّة أن المستوى العام هو مستوى يتذبذب مع العالمية، ويقترب من المعاصرة إلا أن المعاصرة صفحة محيط واسع لا يدلّ على سموِّها سوى الصور الجديدة الغريبة والتي يصعب صناعتها وكذلكَ مقدار الرُّوح التي تخفق فيها\".
أية صعوبة لصناعة الصورة تتحدّث عنها، لا أجد أية صعوبة لدى الكثير من شعراء المهجر والداخل في صناعة الصورة، فيبدو في نصوصهم الشِّعرية صور جيدة ومعاصرة، ولا تتذبذب مع العالمية، وماذا تقصد بتذبذبها مع العالمية، وهناك عند بعض شعراء وشاعرات المهجر وشعراء الداخل، ما يصعب على الشّاعر الغربي أن يكتب الصورة التي يكتبونها، وتصوّركَ بأن المستوى العام لما تطالعه من أشعار ونصوص أدبية يتذبذب مع العالمية، هو تصور ناقص ويفتقر للكثير من التحليل والدقّة والعمق، هذا كلام مفكَّك وخالٍ من مدلول يتعلّق بشعراء المهجر أو شعراء الداخل، لأنني لم أرَ لدى شعراء المهجر صعوبة في صناعة الصور الجديدة والروح لم تخفق فيها، بل تجلّت في عوالم انسيابيّة متدفّقة بصور واضحة، غير مطلسمة، وقدّم بعض شعراء المهجر الكثير من القصائد الجامحة التي يصعب على شعراء الغرب المعاصرين مجاراتها، ويمتاز الشاعرالشرقي بقدرته على التحليق والتدفق والخيال المفتوح كأنه يحلق في بحر من الصور المنسابة لأن طبيعة الشاعر الشرقي أنه ذات خيال متدفق بالصور والترميزات والتشبيهات والاستعارات والسريالية الجامحة، ولا أرى حكمك على شعراء المهجر قد جانب الصواب في إطار هذا التحليل.
وتشير بسطر ونصف إلى تجربة لطفي حدّاد، قائلاً: \"يقلب لطفي حدّاد صفحة الاغتراب واللَّوعة كي يقول الاغتراب هو بحث عن الحضارة، يصير السُّوري حضارياً حين يعيش بعيداً عن الوطن\"، وما الضير لو أصبح السُّوري حضارياً حين يعيش في دنيا الاغتراب، أليس من أبناء أوائل الحضارات في العالم؟ ثمَّ تتساءل، عن مدى أهمية الأدب المهجري المعاصر، ولماذا تقاعسَ عن الركب ليجعل من أدب الرّواد مثالاً لا يمكن الوصول إليه؟!

لو نلقي نظرة شاملة وعميقة ودقيقة ونقدية فاحصة، لا نجد أن الأدب المهجري المعاصر، تقاعسَ عن العطاء، ولا أظنُّ أن شعراء المهجر المعاصرين يفكِّرون بشعر الروّاد كأدب يحتذى به، لأنَّ لكلِّ من أدب الروّاد والأدب المهجري المعاصر، خصوصيته وتجربته وتطلُّعاته وآفاقه، والقضية لا تقاس ولاتقارن فيما قدّمه الروَّاد وبما يقدّمه المعاصر، فالأدب المهجري المعاصر، غير متقاعس، وقدَّم ويقدِّم الكثير، وسواء كان بمستوى شعر الروَّاد أو لم يكُنْ فقد قدَّم ويقدِّم وهناك الكثير ممَّا سيقدِّمه أيضاً، وطالما هناك أجيال تأتي سيكتبون شعراً جديداً، ولكلِّ مرحلة خصوصيتها في الإبداع وكيفية العطاء، ولكلِّ حقبة أو مرحلة زمنية عالمها الشعري وتطلعاتها وآفاقها لأن الشعر حالة غليانية، تعكس رؤى وتجليات عصر يختلف عن عصر آخر، شأنه شأن أية حالة إبداعية أخرى، وما ينسحب عن الشِّعر ينسحب على الفن التشكيلي والموسيقى والغناء وبقية الفنون الإبداعية، وإذا كان هناك في مرحلة روّاد المهجر بعض الشُّعراء الذين شكَّلوا رابطة القلم، وحققت أشعارهم حضوراً كبيراً، وترجمت قصائدهم إلى الكثير من لغات العالم، فلا شكَّ أن الشعر المهجري المعاصر له دوره الفعال والهام أيضاً، وهناك تقصير واضح من قبل المؤسَّسات داخل بلاد المهجر بشعراء المهجر وداخل الأوطان الأم بشعراء المهجر، وهناك بعض الشعراء المهجريين ممَّن حقَّق حضوراً جيداً، فليس من الضروري أن يحقّق جميع شعراء المهجر حضوراً كبيراً، فيكفي أنّ يحقِّق بعضٌ منهم حضوراً هاماً على الساحة الشعرية، وهذا ما نراه من خلال ظهور بعض الأقلام الهامّة، وقد أغفلتَ أسماء الكثيرين منهم، من خلال إشارتكَ لأسماء بعض الشعراء من بلاد الشام في بلاد المهجر والتي لا تزيد عن أصابع اليدين، فهل نحن ثمانية شعراء وشاعرات فقط في المهجر، وهل تمثّل هذه الأسماء شعر المهجر؟ وقد كانت تحليلاتكَ ورؤاك لا تستند إلى تحليل وتفنيد النص بقدر ما كانت مجرّد انطباعات عابرة، لا تعكس أية رؤية تحليلية نقدية دقيقة لتجربة الشعر السوري اللبناني في المهجر لأن هناك الكثير من الأسماء الهامة أغفلتها من جهة، ولم تتوغّل عميقاً في تجربة الذين أدرجت أسماءهمم في ورقتك، ولم تقدّمهم بشكل دقيق، وكل ما جاء في تحليلك لا يرقى إلى مستوى التحليل النقدي، بقدر ما هو كلام انشائي فضفاض، يفتقر إلى الكثير من الرؤية التحليلية النقدية الجادة والهامّة، وتبدو وكأنكَ لم تقرأ تجربة الشعراء والشاعرات الذين تطرقتَ إلى تقييم شعرهم، فهل قرأتَ دواوين الشعراء والشاعرات بدقة وبجدِّية وبتحليل عميق أم أنكَ قرأت قراءة عابرة بعض قصائدهم هنا وهناك؟!

نعم، أدب المهجر المعاصر، أدب معزول، إلا عبر الشبكة العنكبوتية، وغير معتنى به من قبل المؤسَّسات المعنية بالأمر، ولكنه معتنى به من قبل الشعراء الذين يكتبونه، ويفتح نافذته على العالم على عكس ماتراه، والدليل أن هناك مساهمات يومية للكثير الكثير من شعراء المهجر في الصحف، داخل الأوطان الأم وخارجها وفي عشرات المواقع الالكترونية المنتشرة على مساحة المعمورة، فماذا تريد أكثر من هكذا نافذة يفتحونها على العالم؟!
لا لا، لا! الشَّاعر لا يكتب فقط لنفسه، بل يكتب ما يختلج في نفسه لملايين القراء والقارئات، فأنا لوحدي لدي أكثر من آلاف القرّاء، فهل أكتب لنفسي؟! نعم نصّي ينبع منّي ويصب بي لكنه يصل إلى آلاف القراء والقارئات من خلال كبسة زر على الشبكة العنكبوتية؟! فلا تتهم الشاعر المهجري وكتاب الداخل أنهم يكتبون لمرآة ذاتهم فقط، انّهم يكتبون من أعماق ذواتهم لملايين القراء والقارئات داخل وخارج الوطن!
نعم، يكتب شعراء المهجر وبغزارة أحياناً لأن لديهم وقتاً وفراغاً أكثر ممّا لو كانوا في الوطن الأم، لكن لم يصبحوا شعراءً لمجرَّد لديهم وقت فراغ يكتبون فيه شعراً، وإلا لأصبح نصف المغتربين شعراء لتوفر الوقت والفراغ لديهم.
إنَّ الغربة صقلت موهبة الشعراء ومنحتهم حالة غليانية شوقية إبداعية، إضافة إلى أن الشاعر تتحفّز مشاعره لأنه غائص في عوالم الغربة ومهيَّأ للكتابة، لأنَّ الكتابة تصبح ملاذاً لذيذاً لتفريغ الكثير من شحناته الشَّوقية والحنينية وبالتالي تمنحه تجلَّيات دافئة كلَّما يهبط اللَّيل ويجرفه الحنين إلى عوالمِ الطفولة والأصدقاء وملاعب الصِّبا!

ذُهِلتُ عندما قرأت قولك، \"وهنا قد تصدق هذه المقولة، ذلك حين يلاحظ المرء انعدام الموهبة في أعمال المهجريين، لكن هذه المقولة أيضاً تصدق على معظم كتّاب الداخل!\" ..
ما هذه الرؤى التحليليّة، وعلى أيّةِ أسسٍ نقدية تحليليّة اعتمدتَ بإطلاق هذه الأحكام؟!، ومَن هو هذا المرء الذي قد يلاحظ انعدام الموهبة في أعمال المهجريين، وهل لديه رؤية شاملة كي يرى أعمال المهجريين، وهل أحصى أغلب المهجريين وقرأ تجاربهم ثم توصل إلى قناعة بأن هناك انعدام في الموهبة لكل ما يكتبه المهاجرون؟، إن التعميم في هذا السياق ضرب من السذاجة والسطحية وكأنَّكَ لا تمتُّ إلى الأسرة الأدبية المهجرية، حتّى انكَ لم تستثنِ أدباء الداخل.
كيف تصرّح وتعلن \"أن الأدب بشكل عام قد وصل نهاياته حيث سنجد الألمعية المبدعة تتحوَّل إلى مجال التقنية وعلوم الاستهلاك وإن مبدعي العصر قد هجروا الأدب نحو مناحٍ أخرى.\" .. أيّة نهايات تتحدّث عنها، وكيف توصّلت إلى أنكَ تجد الألميعة المبدعة تتحوّل إلى مجال التقنية وعلوم الاستهلاك، وإلى أية مناحٍ هجروا مبدعي العصر هرباً من الأدب؟
أتساءل، كيف حكمتَ هذا الحكم على أدب الداخل والخارج بهذه الرؤية السطحية، وما هي المنابع التي استقيت منها أحكامكَ، وكيف توصَّلتَ إلى موت القارئ والقراءة، وكيف تتكهّن بأنه سيندر بعد اليوم وجود قارئ حريص جادّ؟!
أنا شاعر مهجري، وبنفس الوقت قارئ جادّ، وسأبقى قارئاً جادّاً إلى مدى العمر! أنتَ ألستَ قارئاً جادّاً؟!
عزيزي، تاكّد تماماً، أن هناك قارئ جادّ وفعّال وعميق وهناك كاتب جادّ ومبدع البارحة واليوم وغداً وفي كل حين، طالما هناك رؤى جديدة وصباح جديد وشمس جديدة، فلا يمكن للإبداع أن يتوارى عن سلّم الحياة لا في تجارب أدباء المهجر ولا بتجارب أدباء الداخل، ففي كلِّ زمان سيولد شعراء وأدباء مبدعون!
ويضحكني هذا التحليل السمج وهذه الفرضية الخاوية من أي استدلال، بقولكَ \"وهكذا بانعدام القراء ينعدم الابداع وينحسر النقد وتتغلب الصحافة والدعاية اليومية علي الحساسية الروحية.\"، أي قرّاء تتحدّث عنهم، وكيف سينعدم القرّاء، وأية حساسية روحية تتحدّث عنها، هل سيتحوّل الإنسان إلى كتلة صمّاء؟!
أؤكِّدُ لكَ أن تحليلاتك تناسب بشرٍ آخرين غير البشر الذين تتحدّث عنهم ومعهم وإليهم، أصلاً غذاء الصحافة الأول والأخير هو الإبداع، هو النص الإبداعي، ولا يمكن أن تعيش الصحافة فقط على الدعايات والأخبار والسياسة، مادام هناك بشر يولدون سيكون هناك مبدعون، ولن تتوقّف دورة الفنون الإبداعية لا اليوم ولا غداً ولا بعد ألف عام، لأن الإبداع هو شهيق الكائن الحيّ، هو غذاء الرّوح، هو حلم الإنسان على مدى كل العصور السابقة واللاحقة، صحيح ربّما تتغير صيغ الإبداع لكن الإبداع سيبقى مرافقاً وملازماً للإنسان طالما هناك براعم تتوالد وتنمو فوق ربوعِِ الحياة!

تقول، \"لقد أوقفتني \"أنشودة الحياة\" للسوري صبري يوسف، هذا الإصرار والمتابعة المدفوعة بقوة غريبة كي تخلق خيالاً فضفاضاً لا أري فيه عمقا ولا حكمة\" .. كيف استنتجتَ أن الشاعر لم يخلق سوى خيالاً فضفاضاً، ولم ترَ فيه عمقاً ولا حكمةً؟! هل قرأت أجزاء الأنشودة تباعاً، ثمانية أجزاء، كل جزء مائة صفحة، أم أنكَ قرأت مقاطع متفرقة عبر الصحافة هنا وهناك، فلم ترُقْ لك ما قرأت من مقاطع وقصائد، وحكمت أحكاماً تغفو بعيداً عن جوهر النصّ؟!
يا عزيزي، نص: السلام أعمق من البحار، الجزء الخامس من الأنشودة، متمركز على الحكمة عند الإنسان، ونص: الإنسان الأرض، جنون الصولجان، يضم عشرات التساؤلات حول خلخلات علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان، وهناك مئات الأفكار والرؤى التي نقشها الشاعر بحنين غربته وشوقه إلى التآخي والحب بين البشر، وترجمَ تمرّده على كلّ ما هو جائر وظالم على وجه الدنيا، فتأتي وتقول، خلق الشاعر خيالاً فضفاضاً، لا ترى فيه عمقاً ولا حكمةً!
أطلب منكَ أيّها العزيز، أن تعرض الأنشودة التي تمَّ نشر ثمانية أجزاء منها بشكل متفرّق عبر الصحافة والشبكة العنكبوتية، أن تعرضها بشكل متسلسل بأجزائها الثمانية على ألف قارئ متذوّق وناقد وشاعر ومبدع وفنان، لنرى انطباعاتهم، هل هي مجرد خيال فضفاض، لا عمق فيها ولا حكمة، أم أنها تجربة جديدة تستحق الوقوف عندها مليّاً؟!
ثم تستدرك متسائلاً، \"هل هناك ركائز أغفلتُها فانفلت مني العمل وانهار نهائيا؟\" .. لِمَ لا، يبدو أنَّ هناك الكثير من الركائز التي أغفلتها، وانفلت ليس العمل منك فحسب، بل انفلتت منكَ معايير النقد فلم تجد سوى الاسوداد، فكل ما جاء في ورقتكَ عبارة عن رؤى سوداوية، غير مركونة إلى أية تحليل نقدي، بقدر ما هي رؤى منهارة كما تقول، ربّما بسبب اغفالكَ لحيثيات أصول النقد والتحليل من جهة ولعدم إطلاعك على ما يبدو على هذه الأنشودة بشكل كامل من جهة أخرى، لهذا نحن إزاء كلام خاوي ممجوج ليس له علاقة بالنقد ولا بالتحليل!
ثم تضيف متسائلاً، \"ما الذي يريده الشاعر من هذا العمل الذي يمده كل يوم ويمده ويمده أنشودة الحياة! هل الذي يريده صبري يوسف لا نعرفه نحن القراء أم أننا لم نتعرفه ولقد خطا خطوات بعيدة خارجة عن مساحة الذائقة التي نملكها؟
ربما لا تعرفه، لكن هناك الكثير من يتابعه ويعرفه، وربما نسج أنشودته بعيداً عن مساحة ذائقتكَ الشِّعرية، لكن وبكل تأكيد لم يخطُ بعيداً عن القارئ المتابع الجادّ والمهتم بقضايا الشعر.
تفضل اشرح لنا قصدكَ لما يلي: \"أن تكتب كلمة واحدة وتكررها مائة مرة فسيكون الحاصل روح وتجريد يحاكيان الباطن الانساني، تفقد الكلمة معناها ويفقد الخيال أبعاده فالذي يتحرك في الفراغ هو صوت، مجرد صوت لا أكثر لكنه سيتواءم مع كلية النفس وعندها ستنعكس الآية كي تصبح الكلمات جوفاء فاقدة المعني تنتظر النفس، تنتظر القارئ أن يملأها\"..كيف استنتجتَ، عندما يكرِّر الشاعر كلمة ما مائة مرة، سيكون الحاصل روح وتجريد يحاكيان الباطن الإنساني؟ هذا كلام لا معنى له ولا مدلول له ولا يمت بصلة لما يذهب إليه الشاعر، هذا تحليل غير معقول وغير مفنّد ضمن أية أسس نقدية تحليلية، ثم تخرج بنتيجة أن الذي يتحرّك في الفراغ هو صوت، مجرد صوت لا أكثر، لا يا عزيزي ليس مجرد صوت، صحيح هو صوت، لكنّه صوت ذات معنى متدفق ومنساب ويعرف الشاعر جيداً كيف يرسم هذا الصوت عبر الكثير من المعاني والصور، والطريف بالأمر أنكَ تتابع قائلاً، \"لكنّه أي الصوت سيتواءم مع كلية النفس وعندها ستنعكس الآية كي تصبح الكلمات جوفاء فاقدة المعنى تنتظر النفس، تنتظر القارئ أن يملأها\"، أي صوت، وأي مواءمة هذه التي ستتم مع كلية النفس، وما هذه الآية التي ستنعكس كي تصبح الكلمات جوفاء، من كلّ ما تقدّم يتبيّن أنَّكَ تتصور أشياء ويخيّل لكَ رؤى وأفكار وتبني تحاليلكَ على ما يُخيّل إليك، ثم تطلق أحكاماً على نصوص شعرية، هذا فعلا كلام أجوف وتحليل مقعّر وليس له علاقة بالنص، طيّب أين هي الأمثلة التي حلَّلت عليها وجهات نظرك، وكيف خرجت بهذه النتائج والتحاليل، لِمَ لم تدرج مقاطع شعرية من أنشودة الحياة وعلى ضوئها تطلق أحكامكَ النقدية لا تحاليلكَ الخيالية؟!
ثم وبعد كل هذا تقول، \"هذا أسلوب آخر جدير بالنظر\" وكأنكَ تقول لا تأخذ أيها القارئ كلامي بعين الاعتبار لأن أسلوب الشاعر جديد وجدير بالنظر إليه! فتنسف كل ما جاء في تحليلك وكأنَّ ورقتكَ مجرَّد رصف كلمات أدرجتها كما يحلو لك الخيال، لا كما يقتضي النصّ أن تفهمه!

ثمَّ تتابع تحاليلك قائلاً \"وهناك عند الشاعرات المهجريات بالخصوص هذا النفس وهذه القدرة المجهولة التي نرفضها ولا نتذوقها ــ هي تجريد الحواف وقلب الباطن ظاهرا حتى تتراجع المخيلة عن إدراك المعنى وهنا يأتي مكيال آخر كي يكيل وإن اقتصرنا على مكيالنا فسنوسم العمل بالهابط الذي لا ملامح ابداعية فيه.\"..
من هم الشاعرات المهجريات، وما هذا النفس وهذه القدرة المجهولة التي ترفضها ولا تتذوقها، وبأي صيغة تمكنتَ أن ترى أنها تجريد الحواف وقلب الباطن ظاهراً، هل توافقك الشاعرات في تحليلاتكَ هذه، وكيف تبيّن لكَ تراجع المخيلة عن إدراك المعنى،