سري للغاية!

 

التقرير السنوي للجنة السورية لحقوق الإنسان لعام2002



نشرت في 29-06-2002

التقرير السنوي للجنة السورية لحقوق الإنسان لعام2002
27 حزيران/ يونيو 2002 ميلادية الموافق 16 ربيع الثاني 1423 هجرية
مقدمة

شهدت أوضاع حقوق الإنسان في سورية تراجعاً كبيراً خلال الفترة الممتدة من تموز/
يوليو 2001 وحتى حزيران/ يونيو 2002. ومع استمرار العمل بحالة الطوارئ والأحكام
العرفية، لم يتمتع المواطنون بحقوقهم الأساسية التي حُرموا بسبب قانون الطوارئ
المفروض منذ عام 1963.


خلال الفترة التي يغطيها هذا التقرير كان التراجع شاملاً. فبعد أن بدأت فترة
الانفتاح القصيرة التي ميزت معظم العام الأول من حكم الرئيس بشار الأسد
بالتراجع ابتداء من شهر آذار/ مارس 2001، شهدت الفترة ما بعد حزيران/ يونيو
2001 تدهوراً كبيراً على صعيد انتهاك حقوق المواطنين السوريين، وبلغت ذروة
التصعيد في شهري آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر 2001، حيث اعتُقل فيهما عشرة من
نشطاء المجتمع المدني، وفي مقدمتهم النائبان محمد مأمون الحمصي ورياض سيف،
والزعيم الشيوعي المعارض رياض الترك، الذي سبق أن اعتُقل 18 عاماً بلا محاكمة
أو اتهام قانوني.


ولم تكن الأوضاع على صعيد المعتقلين القدامى بأفضل حالاً. ففي حين أفرجت
السلطات عن بضع مئات من المعتقلين السياسيين، معظمهم من جماعة الإخوان المسلمين
وحزب التحرير الإسلامي، وبعضهم من حزب العمل الشيوعي وحزب البعث الديمقراطي، ما
زال مصير آلاف المعتقلين منذ مطلع الثمانينات مجهولاً. وكانت الحكومة السورية
قد زعمت في التسعينيات بعد الإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين إن سجونها أصبحت
خالية من هؤلاء، وتبين بعد ذلك أن هذا الادعاء لم يكن صحيحاً، بدليل الإفراج عن
المزيد، وآخر دفعة من هؤلاء خرجت من السجون في تشرين الثاني/ نوفمبر 2001p.
وكان مجمل الذين أُفرج عنهم خلال العام لم يتجاوز 650 شخصاً، بينما ما زالت
اللجنة السورية لحقوق الإنسان تحتفظ بقوائم لحوالي 4000 معتقل اختفت آثارهم،
وهناك تقديرات تشير إلى وجود أضعاف هؤلاء من المعتقلين الذين لم تُجمع أسماؤهم،
ويعتبرون في عداد المفقودين، وقد يناهز 15000 مفقوداً.


ولكن الأسوأ على صعيد الاعتداء على حق الإنسان السوري في الحرية، هو استمرار
العمل بالاعتقال التعسفي، دون أمر قضائي، ودون توجيه اتهام إلى المعتقلين. ولا
تزال السلطات الأمنية تتمتع بكامل الحرية في اعتقال من تشاء، وفي هذا الصدد
وصلت إلى اللجنة السورية لحقوق الإنسان شكاوى من اعتقال 12 مواطناً سورياً،
بعضهم خُطف من أماكن عامة، ولا يُعرف مصير معظمهم. أما الذين عُرف مصيرهم، فقد
اتضح أن ثلاثة منهم على الأقل قضوا تحت التعذيب.


وما يزال القضاء العادي السوري أسيراً للسلطة التنفيذية. وقد بدا ذلك واضحاً في
محاكمة النائبين محمد مأمون الحمصي ورياض سيف، اللذين حكمت عليهما محكمة
الجنايات الثانية بدمشق بالسجن خمس سنوات بتهمة محاولة تغيير الدستور بالقوة
بعد محاكمة لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة، وكان واضحاً أن الحكم مُعد
سلفاً.


أما غالبية المعتقلين على خلفية الرأي أو لأسباب سياسية، فقد أُحيلوا إلى
القضاء الاستثنائي. وأصدرت محكمة أمن الدولة العليا حكمين بالسجن على معتقلين
اثنين، أحدهما ناشط سياسي كردي هو حسين داود ، والثاني هو مدحت طيفور لقرابته
من قيادي في الإخوان المسلمين. كما عُرض على محكمة أمن الدولة العليا معتقلون
من حزب التحرير، ويُعرض عليها (منذ شهر نيسان/ إبريل 2002) خمسة من معتقلي
الرأي الثمانية الذين اعتُقلوا العام الماضي، وهم رياض الترك الذي حكم البارحة
بسنين ونصف وحبيب صالح الذي حكم منذ ثلاثة أيام يثلاث سنوات سجن وعارف دليلة
ووليد البني وحبيب عيسى. بينما ينتظر ثلاثة معتقلين، هم كمال لبواني وفواز تلو
وحسن سعدون دورهم في العرض على المحكمة ذاتها.


وما يزال التعذيب مستخدماً على نطاق واسع في السجون ومراكز الاعتقال السورية،
سواء في مراكز الشرطة العادية، أو أجهزة الأمن البالغ عددها 13 جهازاً، تتداخل
وتتضارب صلاحياتها. وخلال هذا العام عادت ظاهرة محاولة الاغتيال والاختطاف
والتهديد إلى المشهد السوري، بما في ذلك الاعتداء في الطريق العام كما حدث مع
المحامي خليل معتوق الذي نجا من حادث سير متعمد كاد يودي بحياته.

أما عائلات المعتقلين فلم تخف معاناتها، خصوصاً تلك التي فقدت أبناءها في أحداث
السبعينيات والثمانينيات، وامتدت المعاناة إلى عائلات معتقلين حديثي العهد،
كعائلة الصحفي المفرج عنه نزار نيوف. وهناك حالات اعتُقلت فيها عائلات بأكملها.


وإضافة إلى المعتقلين السوريين، يوجد في السجون السورية معتقلون فلسطينيون
وأردنيون ولبنانيون وعراقيون، ومن جنسيات أخرى، على خلفيات سياسية، وبعضهم لا
تُعرف تهمتهم أو أسباب استمرار احتجازهم بدون محاكمة.


حق التعبير: ثغرات في جدار الخوف

في شهر أيار/ مايو 2001 أفرجت السلطات عن الصحافي المعارض نزار نيوف، الذي كان
معتقلاً منذ عام 1992، لتحريره نشرة مدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كان
نيوف حتى الإفراج عنه نموذجاً صارخاً لاعتداء السلطات السورية على الصحافة، فقد
تعرض للتعذيب كما نقلت منظمات حقوق الإنسان طيلة سنوات. وبعد خروجه من السجن
تبين أنه يعاني من ضعف شديد في بصره، ويحتاج إلى عكازين للتحرك، بسبب مرضه
الناجم عن التعذيب. وقد سُمح له بمغادرة سورية للعلاج في الخارج، واستقر به
المقام في فرنسا، حيث شن حملة إعلامية على السلطة، أدت إلى إصدار مذكرة اعتقال
بحقه.


لم يكن هذا التغير الإيجابي الوحيد على هذا الصعيد. ففي 5 تشرين الثاني/ نوفمبر
2001 أفرجت السلطات السورية عن آخر صحافي معتقل، وهو عادل إسماعيل الذي سُجن
خمس سنوات لتعاطفه مع حزب البعث الديمقراطي.


وقد تراجع خوف المواطنين من الخوض في القضايا السياسية الذي تميز به عهد الرئيس
حافظ الأسد، وبرزت إلى السطح منتديات سياسية للحوار حضرها المثقفون ودعاة
المجتمع المدني. كما سمحت السلطات بصدور بعض الصحف غير المرتبطة بالنظام أو
الحزب الحاكم، لأول مرة منذ عام 1963، كصحيفة "الدومري" الساخرة (صدر عددها
الأول في شباط/ فبراير 2001)، و"الاقتصادية" المتخصصة، وكلتاهما أسبوعية. وفي
الوقت نفسه سمح لأحزاب الجبهة الوطنية بإصدار نشرات ناطقة باسمها، وتصدر الآن
صحيفة "النور" عن الحزب الشيوعي السوري (جناح يوسف فيصل) بانتظام. وسجلت اللجنة
السورية لحقوق الإنسان في هذا العام إعفاء المراسلين والصحافيين الأجانب من
إلزامهم بالترخيص من وزارة الإعلام الذي كان معمولاً به. وفي مقابل تسهيل عمل
المراسلين والصحافيين الأجانب دون إذن من وزارة الإعلام، تعرض هؤلاء لتهديد
وترويع وإجبار على كتمان الحقائق بوسائل غير مباشرة تلجأ إليه السلطات.


تعرضت أيضاً عائلة نزار نيوف بعد خروجه من سورية للعلاج من آثار سجنه الطويل
للمضايقة، بسبب تصريحاته في الخارج. وحاولت السلطات الضغط على نيوف لوقف حملته
الإعلامية ضد النظام، من خلال فصل أخويه من العمل، ومضايقة أخ ثالث له يدرس في
الجامعة، كما ضيّقت على والديه، وتلقت العائلة تهديدات بالطرد من قريتها
"بسنديانة" إذا لم تتبرأ من ابنها وتصريحاته، الأمر الذي رفضه أفراد العائلة
جميعاً. وقد اضطرت عائلة نزار نيوف إلى الإضراب عن الطعام بعدما تصاعدت الضغوط
عليها.


ومن ناحية الحريات الصحافية والإعلامية، فقد تعرضت لضربة كبيرة بصدور قانون
جديد للمطبوعات في أيلول/ سبتمبر 2001 يقيد بمجمله الحريات الصحافية، ويمنح
الجهات المختصة صلاحيات واسعة في إغلاق الصحافة المستقلة ومعاقبة الصحافيين،
بتغريمهم غرامات باهظة أو فرض عقوبات سجن قاسية بحقهم.

ولا يجرؤ الصحافيون السوريون - الذين يبدو عملهم أشبه بالسير في حقل ألغام -
على انتقاد "الثورة" (ثورة 8 آذار/ مارس 1963 التي قام بها حزب البعث) وحزب
البعث العربي الاشتراكي الحاكم ومؤسسات النظام، إضافة إلى مقام الرئاسة، سواء
ما يخص الرئيس السابق أو الحالي. وتعمل وزارة الإعلام في هذا المجال على تقييد
الصحافيين والتهديد بسحب رخصهم أو سحبها فعلاً لمن يخالفون التوجهات الرسمية.
وفي أواخر نيسان/إبريل الماضي لم تجدد السلطات السورية ترخيص رئيس مكتب وكالة
فرنس برس ماهر شميطلي على الرغم من التزامه بالسياسات السورية مما اضطر الوكالة
لترك منصب رئيس المكتب شاغراً.


وقد فرضت السلطات قيوداً مجحفة وشروطاً تعجيزية على منتديات الحوار التي انتعشت
في العام الأول من حكم الرئيس بشار الأسد، ولم يحصل أي منها على الترخيص.
وتوقفت كل المنتديات عن النشاط، ما عدا منتدى جمال الأتاسي بدمشق الذي تغض
السلطة الطرف عنه، ولكنها اعتقلت الناطق باسمه المحامي حبيب عيسى.


الحرية المفقودة: استمرار الاعتقال التعسفي

لا يزال المواطن السوري يعيش تحت طائلة الاعتقال التعسفي دون مقدمات. ولا يختلف
في هذا المواطنون المقيمون في البلاد، أو أولئك المغتربون الذين يعودون إليها،
أو يزورونها بين حين وآخر.


على أن هذا العام كان مشهوداً باعتقال 10 من أبرز وجوه المجتمع المدني (راجع
الفصل الخاص بهؤلاء)، في خطوة أعادت إلى الأذهان الاعتقالات الواسعة للنخبة
المثقفة والمهنية في سورية عام 1980، خصوصاً بعد إضراب النقابات الشهير.


غير أن حملة الاعتقالات لم تقتصر على هؤلاء، بل كان عشرات المواطنين السوريين -
وإن لم يُبلغ سوى عن بضعة عشر معتقلاً - ضحية الاعتقال التعسفي، الذي لم يتبعه
العرض على المحكمة، أو توجيه اتهامات في مخالفة صريحة للدستور الدائم للجمهورية
العربية السورية لعام 1973، حيث ينص في الفقرات 1 و2 و4 من مادته الثامنة
والعشرين على أن "كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم"، وأنه "لا يجوز تحري
أحد أو توقيفه إلا وفقاً للقانون"، وأن "حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع
أمام القضاء مصون بالقانون".


ولا يزال الاعتقال مناسبة للتعذيب الذي لا تبدو أي بوادر لنهايته في السجون
ومراكز الاعتقال السورية. وتتنوع خلفية الاعتقال، بين الاعتقال لأسباب سياسية،
والاعتقال للتحقيق في شبهة قضايا جنائية، ولكن حقوق المعتقلين تتعرض لانتهاكات
فظيعة، ويُحتجزون في ظروف تفتقر لأدنى ما نصت عليه المواثيق الدولية.


وقد أُبلغت اللجنة السورية لحقوق الإنسان خلال هذا العام باثنتي عشرة حالة
اعتقال لأفراد، كما يلي:

1- نوح أحمد عثمان: كردي من مدينة الحسكة. اعتُقل في 21 آذار/ مارس 2000 أثناء
احتفالات الأكراد بعيد النوروز الكردي.

2- محمد شكري علوش قادر: كردي. مات في مركز التوقيف في جنديرس بتاريخ 25 أيار/
مايو 2001، وسُلمت جثته لأهله بتاريخ 19 تموز/ يوليو 2001.

3- محمد مصطفى سنون: معتقل منذ أوائل الثمانينيات. سُلمت جثته لأهله في 22
تموز/ يوليو 2001.

4- محمد نصير عبد الجواد عبد الواحد: من مدينة حلب، مواليد عام 1949. اعتقلته
السلطات في شهر آب/ أغسطس 2001 قادماً إلى سورية من الأردن.

5- محمد حمو: كاتب كردي من مدينة حلب. اعتقلته السلطات في 27 آب/ أغسطس 2001
لبيعه الكتب المطبوعة باللغة الكردية في مكتبته (بدرخان) في حي الأشرفية بمدينة
حلب، وأطلق سراحه لاحقاً.

6- فيصل ركبي: من مدينة حلب، مواليد عام 1955. اعتُقل في شهر تشرين الثاني/
نوفمبر 2001 أثناء زيارة عادية له إلى البلاد، حيث يقيم في الخارج.

7- عبد الله يوسف هوشة: من مدينة اللاذقية، 61 عاماً، اعتقلته السلطات في 17
تشرين الأول/ أكتوبر 2001 بعد ظهوره من حالة "التواري" التي عاشها منذ
الثمانينيات خشية الاعتقال، وهو عضو في الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي،
وأُطلق سراحه لاحقاً في اليوم نفسه بعد 14 ساعة اعتقال.

8- إبراهيم نعسان بن عبدو: كردي من عفرين، مواليد عام 1962. اعتُقل في 18 كانون
الثاني/ يناير 2002 على خلفية الاهتمام بالثقافة والحقوق الكردية.

9- نورس حسين الرمضان: من مدينة إدلب، مواليد عام 1944. اعتُقل في 13 شباط/
فبراير 2002 عند وصوله إلى سورية قادماً من دولة الإمارات العربية المتحدة.

10- محمد حسن نصار: من مدينة حلب، مواليد عام 1947. كان يعيش في المنفى بعد
ملاحقته في بداية الثمانينيات، ولكن لإصابته بمرض ضمور الدماغ (الزهايمر) ،
قررت عائلته العودة إلى البلاد وحصلت على إذن من السفارة السورية في عمان. لكن
السلطات الأمنية اعتقلته عند الحدود السورية الأردنية في 17 شباط/ فبراير 2002،
ولم تفلح مناشدات اللجنة السورية لحقوق الإنسان ولا ذويه في الإفراج عنه رغم
حالته الصحية ووضعه الإنساني الخاص، إلى أن توفي في المعتقل، وسُلمت جثته لأهله
في 23 آذار/ مارس 2002، وقد بدت آثار التعذيب على جسده.

11- محمد غازي حُبيّب: من مدينة حمص، مواليد عام 1952. اعتقلته السلطات في 16
نيسان/ إبريل 2002 لدى وصوله قادماً من السعودية. وقد أُفرج عنه في 11 أيار/
مايو 2002.

12- مسلم شيخ حسن: كردي من عين العرب قرب حلب، مواليد عام 1967. اعتُقل في شهر
أيار/ مايو 2002 في عمله.


المعتقلون العشرة

كان من أبرز أحداث هذا العام اعتقال من أصبحوا يسمون ب "المعتقلين العشرة".
واعتُبر اعتقالهم انتكاسة للآمال في تحسن الأوضاع السياسية ومن ثم أوضاع حقوق
الإنسان. ولكن ما ميّز اعتقال العشرة أنه تم وسط اهتمام إعلامي كبير وتحت
الأضواء المسلطة من الداخل والخارج، مما اضطر السلطات إلى توجيه تهم إليهم
بموجب القانون الجنائي، وأبرزها محاولة تغيير الدستور بالقوة.


وعلى الرغم من استناد السلطات إلى القانون الجنائي، ومحاولة تطويع الاتهام
ليتسق مع هذا القانون، فإن اعتقال العشرة كان مخالفة صريحة للدستور السوري،
الذي تنص المادة 26 منه على أن "لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك"، كما تقول المادة 27 منه
"يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون".


وقد بدأت حملة الاعتقالات هذه باعتقال النائب الدمشقي المستقل محمد مأمون
الحمصي (46 عاماً) في 9 آب/ أغسطس 2001 بعدما دخل في إضراب مفتوح عن الطعام
معتصماً في مكتبه، في سبيل المطالبة بانفراج ديمقراطي في البلاد. ووجهت السلطات
إلى الحمصي تهماً متضاربة (غير التهم السياسية)، منها التهرب من الضرائب،
والتعامل مع جهات أجنبية.


ثم تسلسلت الاعتقالات، باعتقال الأمين العام للحزب الشيوعي - المكتب السياسي
رياض الترك (الذي سبق اعتقاله 17 عاماً وعمره 72 عاماً) من عيادة طبيب قلب في
مدينة طرطوس الساحلية في 31 آب/ أغسطس 2001، على خلفية محاضرة ألقاها في منتدى
جمال الأتاسي في دمشق في مطلع آب 2001 وتصريحات أطلقها في حوار على الهواء مع
قناة الجزيرة القطرية وصف فيها العهد السابق في سورية بالدكتاتورية.


وفي 6 أيلول 2001 اعتقلت السلطات النائب المستقل رياض سيف (57 عاماً) الذي
استضاف منتداه محاضرة للأكاديمي السوري المعروف برهان غليون دعت إلى إصلاح
ديمقراطي في البلاد، واتهم سيف في قضايا اقتصادية. وتلا ذلك اعتقال خمسة ناشطين
في منتديات المجتمع المدني وحقوق الإنسان يوم 9 أيلول 2001 وهم رجل الأعمال
السوري حبيب صالح (53 عاماً) والطبيبان كمال اللبواني (45 عاماً) ووليد البني
(39 عاماً)، والدكتور عارف دليلة (عميد كلية الاقتصاد بجامعة دمشق سابقاً)
والأستاذ المتقاعد حسن سعدون. واعترفت السلطات رسمياً باعتقالهم. ثم اعتقلت في
12 أيلول المحامي حبيب عيسى (محامي رياض سيف ومسئول منتدى جمال الأتاسي)
والمهندس فواز تلو.


ولم يتم التوسع في الاعتقالات بحق ناشطين آخرين، قاموا بمثل ما قام به
المعتقلون، ويُعتقد أن تغير الظروف الدولية والإقليمية بعد هجمات 11 أيلول/
سبتمبر 2001 الإرهابية على الولايات المتحدة قد لعبت دوراً في هذا الصدد.


وقد حصلت السلطات الأمنية على رفع الحصانة البرلمانية عن النائبين الحمصي وسيف
قبل اعتقالهما من رئيس مجلس الشعب عبد القادر قدورة، وليس من هيئة المجلس
المجتمعة حسب الأصول القانونية. أما بالنسبة للمعتقلين الثمانية الآخرين، فقد
مُنع ذووهم من زيارتهم قبل 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، وحُرموا من هذه
الزيارة في وقت لاحق، مما اضطرهم إلى الإضراب عن الطعام احتجاجاً على ظروف
احتجازهم.


التعذيب: انتهاك الإنسانية

ما يزال التعذيب نهجاً روتينياً في مراكز التحقيق والتوقيف والاعتقال السورية.
وعلى الرغم من تحريم التعذيب بموجب الدستور السوري الذي يقول في الفقرة الثالثة
من المادة الثامنة والعشرين "لا يجوز تعذيب أحد جسدياً أو معنوياً أو معاملته
معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك"، فإن السجانين يلجأون إلى
التعذيب الشديد والفظاظة في معاملة السجناء، مستفيدين من قانون استثنائي "سري"
يعفي المعذبين من المسئولية ويوفر لهم الحماية، خصوصاً في إدارة أمن الدولة.


فبموجب قانون إحداث إدارة أمن الدولة الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 14 بتاريخ
15/1/1969، والمعمول به حتى اليوم يستفيد السجانون الذين يمارسون التعذيب من
الحماية التي تنص عليها المادة 16 إذ تقول "لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في
الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكولة إليهم
أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن المدير".


كما أن المادة 74 من قانون التنظيمات الداخلية لإدارة أمن الدولة الصادر
بالمرسوم التشريعي رقم 549 بتاريخ 12/5/1969 تكرس مبدأ الإعفاء من الملاحقة
لمرتكبي جريمة التعذيب، وهو أمر معمول به على نطاق أوسع من إدارة أمن الدولة،
حيث تقول "لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة أمن الدولة أو المنتدبين أو
المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء، في الجرائم الناشئة عن
الوظيفة، أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة
واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير". علماً بأن المرسومين التشريعين المذكورين
منصوص فيهما على أنهما لا يُنشران في الجريدة الرسمية، ويُعمل بهما اعتباراً من
تاريخ الصدور.


وبناء على المعلومات والتقارير التي توفرت للجنة السورية لحقوق الإنسان، يمكن
إجمال وسائل التعذيب الأكثر شيوعاً بحق المعتقلين في سورية اليوم بما يلي:

1- الضرب: في جميع أنحاء الجسم وبكل وسيلة ممكنة من الصفع والركل واستخدام
أحزمة وأسلاك (كابلات) وعصي.

2- الدولاب: ثني جسم المعتقل بحيث يوضع رأسه وقدماه في الإطار في وضع مقوس
ويضرب على رجليه وسائر جسده بالأسلاك أو السياط حتى تسيل منه الدماء.

3- الكرسي الألماني: كرسي معدني بأجزاء متحركة تربط بها يدا المعتقل ورجلاه،
وبثني بقية الكرسي إلى الخلف يحدث ضغط كبير على الرقبة والأوصال. وتسبب هذه
الطريقة صعوبة في التنفس قد تصل إلى حد الإصابة بإغماء. ويوجد نوع من هذا
الكرسي يسمى "الكرسي السوري" تكون الأجزاء المعدنية فيه مثبتة عند الأرجل
الأمامية للكرسي حيث تربط رجلا المعتقل، بحيث يؤدي الشد المذكور إلى جرح
الكاحلين، وتستخدم هذه الطريقة عموماً بمصاحبة الضرب والجلد.

4- الشبح: ربط يدي المعتقل خلف ظهره وتعليقه منهما أو من قدميه، وفي كلتا
الحالتين يستخدم الضرب أو الصدمات الكهربائية.

5- استخدام الكهرباء: توجيه صعقات كهربائية عن طريق وصل الأسلاك بأجزاء حساسة
من الجسم كالأذنين والأنف واللسان والرقبة واليدين والعجز والقدمين والأعضاء
التناسلية.

6- الحجز في معزل عن العالم في زنزانة صغيرة رطبة مظلمة دون اتصال بشري لفترات
طويلة قد تستغرق شهوراً.

ويُضاف إلى ذلك مظاهر سوء المعاملة والتحطيم النفسي، مثل الإهانة بالألفاظ
النابية، والمنع من النوم أو الطعام والماء والهواء النقي، وكذلك من قضاء
الحاجة أو وسائل النظافة من الماء وغيره، إضافة إلى منع زيارة الأقارب والحرمان
من العلاج الطبي.


الموت تحت التعذيب

سجلت اللجنة السورية لحقوق الإنسان ثلاث حالات للموت تحت التعذيب خلال هذا
العام، ولم تتجشم السلطات عناء تبرير موت المعتقلين، سوى في حالة واحدة أُلقي
فيها باللائمة على المعتقل الذي اتُهم بالانتحار.

والحالات الثلاث هي:

1- محمد شكري علوش قادر: كردي. توفي في يوم احتجازه بمركز التوقيف في جنديرس
بتاريخ 25 أيار/ مايو 2001، ولكن جثته لم تُسلم لأهله إلا بتاريخ 19 تموز/
يوليو 2001. وقالت الشرطة التي اعتقلته في إطار التحقيق في جريمة سرقة إنه شنق
نفسه ومات منتحراً، بينما يُعتقد بأن المعاملة اللاإنسانية أفضت إلى موته بعد
ساعات من اعتقاله.

2- محمد مصطفى سنون: اعتُقل وهو طالب مطلع الثمانينيات، ضمن آلاف المعتقلين
لأسباب سياسية آنذاك. وقد سُلمت جثته لذويه بعد أكثر من 20 سنة من الاعتقال،
وذلك في 22 تموز/ يوليو 2001. ونظراً للتعذيب الذي استُخدم على نطاق واسع،
والتردي الشديد لأوضاع المعتقلين السياسيين الذين قضوا فترة طويلة في السجون،
تعرضوا خلالها للتعذيب وسوء المعاملة، وأُصيبوا بأمراض شتى نتيجة قلة التغذية
والهزال والأوبئة، لا يمكن استبعاد وفاة المعتقل في هذه السن (في الأربعينيات)
نتيجة الاعتقال الطويل في الظروف المذكورة.

3- محمد حسن نصار: لم تكلف السلطات نفسها تفسير اعتقاله وهو البالغ من العمر 52
عاماً، واعتُقل رغم فقدانه الذاكرة نتيجة إصابته بمرض ضمور الدماغ "الزهايمر"،
عندما عاد به أهله إلى البلاد بعد استئذان السلطات المختصة. وتعتبر اللجنة
السورية لحقوق الإنسان اعتقاله وتعذيبه حالة صارخة من الوحشية، تستدعي التحقيق
ومحاسبة مرتكبي هذه الفعلة، خصوصاً وأن آثار التعذيب بدت على جسد المعتقل حين
سُلمت جثته لأهله في 23 آذار/ مارس 2002.


المحاكمات: نحو "طورأة" القضاء العادي

حرصت السلطات على عرض المعتقلين السياسيين البارزين على القضاء. وانقسمت
المحاكمات إلى قسمين: قسم أمام القضاء العادي، وآخر أمام القضاء الاستثنائي.
ويجمع بين المحاكمات جميعها مميزات مشتركة، أهمها عدم توفر الأدلة الكافية
للإدانة ليستند إليها الادعاء، وتوجيه التهم الهلامية مع الخلط بين السياسي
والجنائي منها، علماً بأن التهم الجنائية استُخدمت لخدمة أغراض سياسية.


ولم يكن ثمة فرق جوهري في تعامل القضاء العادي مع المتهمين عن القضاء
الاستثنائي من حيث قسوة الأحكام الصادرة عنه، الأمر الذي يثير القلق من عملية
"طورأة" تجري للقضاء العادي، الذي سيلحق بركب المحاكم الاستثنائية التي تمثل
سلطة قانون الطوارئ والأحكام العرفية، لا الدستور والقوانين السارية الأخرى،
خصوصاً وأن الدستور السوري ينص في المادة 38 على أن "لكل مواطن الحق في أن يعرب
عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في
الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام
الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون".


ولم يُمنح محامو الدفاع أمام القضاء العادي الفرصة الكافية للدفاع عن المتهمين
من خلال استدعاء الشهود الذين يعتقدون أنهم يبرئون ساحة موكليهم، بينما كانت
هناك إعاقة للاطلاع على محضر الادعاء بالنسبة للمحاكمات أمام القضاء
الاستثنائي. وإضافة إلى هذا كانت محاكمة النائبين محمد مأمون الحمصي ورياض سيف
نكسة للقضاء السوري، حيث لم يستجلب أي من الشهود الذين طلبت المحكمة حضورهم من
المسئولين والوزراء لدعوتهم إلى الشهادة، ولم تستمع المحكمة سوى إلى شهود
مدافعين عن رياض سيف فندوا كل ما وجه إليه من اتهامات، ومع ذلك فقد صدر الحكم
ضد النائبين.


محاكمة مأمون الحمصي

بدأ التمهيد لمحاكمة مأمون الحمصي بعد اعتقاله بشهرين، حين قُدم لجلسة استجواب
إداري يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2001، وحركت النيابة العامة بدمشق دعوى عامة
بحقه بجرائم استهداف تغيير دستور الدولة بطرق غير مشروعة ومنع السلطات القائمة
من ممارسة وظائفها المستمدة من الدستور والنيل من الوحدة الوطنية وتعكير الصفا
بين عناصر الأمة ومقاومة أعمال موظفي الدولة المشروعة، وذم وقدح السلطات
التشريعية والتنفيذية والقضائية.


وقد بدأت محاكمته بجلسة أولى في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2001. وكانت المحاكمة
علنية، غير أن المتهم ومحاميه اختلفوا مع المحكمة مراراً أثناء المحاكمة التي
استمرت حتى 20 آذار/ مارس 2002، واتهم الدفاع المحكمة بحرمان النائب الحمصي من
الرعاية الصحية في السجن رغم تردي وضعه الصحي بسبب إصابته بالسكري. كما اتهم
الدفاع بأنها غير محايدة، وطالبها مرتين بالتنحي عن الدعوى لعدم الثقة
بنزاهتها، بعد أن "زورت" ضبط إحدى الجلسات ولم تقم بتسجيل جميع أقوال المتهم،
إلا أن المحكمة أصرت على إعلان أهليتها للنظر في الدعوى.


وقبل أسبوع من إصدار المحكمة حكمها، انسحبت هيئة الدفاع احتجاجاً على سير
المحاكمة التي لم تشهد استدعاء أي شهود من أصل 21 شاهداً طالب الدفاع بحضورهم.
وقد أصدرت محكمة الجنايات الثانية بدمشق حكمها على النائب الحمصي رغم عدم وجود
محامين يترافعون عنه بسبب انسحاب هيئة الدفاع.

وصدر الحكم ب "الأغلبية"، إذ أن المستشار عباس ديب خالف زميليه في هيئة المحكمة
الرأي. وقال قرار المحكمة إنها تجرم المتهم بجنايتي استهداف تغيير الدستور ومنع
السلطات الرسمية من ممارسة مهامها، وبجنح ذم وقدح السلطات التشريعية والقضائية،
وقضت بحجزه وتجريده من حقوقه المدنية، وبتوقيفه المؤقت مدة خمس سنوات لجرم
استهداف تغيير الدستور، وبثلاث سنوات لجرم منع السلطات الرسمية من ممارسة
مهامها الدستورية وستة أشهر لجرم ذم السلطات التشريعية والقضائية، و6 أشهر لجرم
قدح السلطات التشريعية والقضائية. لكن المحكمة قررت دمج العقوبات، أي أن الحمصي
سيُسجن خمس سنوات، كما برأته من تهم إثارة النعرات الطائفية والمذهبية،
والمقاومة السلبية لمنع الأعمال المشروعة التي تقوم بها الدولة لعدم توفر
الأدلة الكافية.


وقد وكل الحمصي محامين جدداً للدفاع عنه، وقدمت هيئة الدفاع الجديدة طعنها في
حكم سجنه قبل انتهاء مهلة الثلاثين يوماً الممنوحة في القانون.


محاكمة رياض سيف

جرت محاكمة رياض سيف بالتزامن مع محاكمة مأمون الحمصي. وأُحيل سيف بعد شهرين من
اعتقاله لجلسة استجواب إداري أمام محكمة الجنايات في غرفة رئيس المحكمة يوم 27