ياسين الحـاج صـالـح
نقلا عن النهار اللبنانية 1/7/2003
تروي هذه الأسطر تجربة مثقف سوري أمضى في السجن 15 عاما يروي فيها وقائع
حياته
اليومية في سجن تدمر ويدعو إلى تحويله نصباً يكرّم عذابات ضحاياه، ويسمّيه
نصب
التوبة.
دمشق...
لعلي لا اختلف عن سوريين كثيرين في النفور من أي تذكّر تفصيلي لوقائع من
"سنوات
الموت"، مثل مذبحة تدمر ،1980 أو تاريخ سجن تدمر كله بين أواخر السبعينات حتى
إغلاقه عام ،2001 أو مأساة حماة ،1982 أو حتى المحطات الرئيسية في تاريخ حبسي
الشخصي. لا يختلف هذا النفور عن موقف من يغيّر دربه كي يتجنب رؤية جثة مشنوق
تتدلى في مكان عام. وبعد كل هذه السنوات، مَن لا يريد اليوم ان يوفر على نفسه
رؤية جثة القتيل المشوهة، المنفسخة!؟ لكننا أهل الميت، والجثة جثتنا ولا مفر
من
تعرفنا عليها وغسلها وإكرامها بالدفن. التذكر صعب حقا، لكن النسيان مستحيل.
في كل عام حين يقترب الشهر الأخير وتقترب ذكرى اعتقالي وذكرى الإفراج عني،
يلحّ
علي من جديد الشعور بضرورة ان اكتب حكايتي، اكتبها لا لأرث ارض الكلام واملك
المعنى كما زعم محمود درويش، ولكن لأكف عن الهرب وأتخفف من عبء الحكاية. لكن
كل
عام، وقد قاربت سبعة يتكرر الهرب وتتأجل المواجهة من جديد.
وتمر السنوات وأشعر أكثر واكثر انني اخون نفسي وأخون أصدقائي الذين ماتوا في
السجن أو بعيد خروجهم منه، وأخون الامهات والآباء الذين ماتوا في الانتظار أو
ربما اترك جثثهم في العراء. ولم يساعد احد السجين ان ينسى، وبخاصة لم تقدم
السلطات الرسمية في البلاد أي مساعدة على النسيان للألوف ممن اكتووا بنار
المحنة التي دامت طويلا طويلا. بل كأنها وهي تتحدث عن "الاستقرار والاستمرار"
تريد ابقاء ذاكرة الخوف حية في النفوس. أو لعلها تريد لنا من الذاكرة ما يكفي
لأن نبقى خائفين ومن النسيان ما يكفي لعدم مطالبتها بشيء. والا فتهمة الثأرية
ونزعة الانتقام جاهزة. وامر هذا الاتهام عجيب بالفعل في درجة انعدام الامانة
والاستقامة فيه. فكأن المظالم رُدّت لأهلها، وكأن الحقوق عادت لأصحابها، وكأن
كلمة واحدة قيلت لتطييب خواطر الضحايا، وكأن احدا اعتذر من "المذلين
المهانين"،
وكأن السجون فُرّغت من سكانها، وكأن منفيا واحدا عاد بكامل حريته، وكأن محكمة
امن الدولة الغيت، والاعتقالات السياسية باتت شيئا من الماضي.... كأن ذلك كله
تحقق لكن الضحايا السابقين مصرون على ركب رؤوسهم ولا يرضون بأقل من ان يسجنوا
من سجنهم وينفوا من منفاهم... ويستبدوا.. ويتحكموا.
عبور مستنقعنا
لكني باستعادة تدمري الخاصة هنا احتفل بذكرى مذبحة 26 حزيران 1980 بطريقة
ربما
تتسع لمشاركة آخرين، واحاول التدرب على الانفصال عن تجربة ما انفكت ممسكة
بتلابيبي. اريد ان اتركها في الماضي لأنال استقلالي عنها أو لأتحرر منها.
لأستطيع ان اتذكر وانسى باختياري. فاذا كنت لا استطيع النسيان الآن فلأن
الماضي
لم يمض ولأني لا ازال موضوعا للتجربة وليست هي موضوعي. ولذلك ايضا لا استطيع
ان
اتذكر بحرية ماضيا لم ينفصل عني. ولعل كثيرين مثلي حاولوا ويحاولون السيطرة
على
شوك تجربتهم، ولعله لم تتح لمعظمهم فرص اتيحت لي لمقاومة الاستسلام. انا اعرف
ان كثيرين استسلموا، تركوا انفسهم لاختلاط نسيان مشوش أو لتثبت الذاكرة على
عذاب الماضي ومهانته، ترك بعضهم جرح روحه يندمل من دون ان ينظفه ويطهره،
ويرعى
بعضهم جرحه كأعز ما يملك، يتركه ينزف كي يدخر شراسة طازجة لمستقبل ينتقم فيه.
لكن الاستسلام بشكليه، ليس خطيرا عليهم وحدهم، ولن اقول انه خطير على هذه
البلاد الحزينة والمجهولة، انه خطير على أي فرص محتملة لنا لأن نتصالح مع
انفسنا ونستحق حريتنا، كل واحد منا وحريتنا جميعا. الآن اضحى فك قيد الحكاية
عنصرا اساسيا من أي تجربة ممكنة للتحرر من قيودنا. هذا المستنقع مستنقعنا
نحن،
لا نستطيع التحليق فوقه ولا توكيل غيرنا باقتحامه بدلا منا، لكن يمكن ان
نعبره
بحرص أو بطيش. الخيار لنا.
اللجنة
في الشهر الأخير من عام 1995 كنت قد انهيت 15 عاما من الحبس قضت بها عليّ
"محكمة امن الدولة العليا" في دمشق، وهي المحكمة التي احلت عليها بين 600
آخرين
في ربيع عام 1992 أي بعد قرابة 11 عاما ونصف عام من اعتقالي أو "توقيفي
الاحترازي" (شيء شبيه بمذهب "الضربات الاستباقية"، اصاب عشرات الالوف بين
أواخر
السبعينات واوائل التسعينات"). وبدلا من ان يُطلق سراحي عُرضتُ على "لجنة
امنية" من النوع الذي سبق لي ان خبرته اكثر من مرة. الشيء الذي تفعله اللجنة
اسمه "مساومة" أي صفقة "يتعاون" السجين فيها مع اجهزة الامن (يقول اعضاء
اللجنة، وهم ضباط كبار في اجهزة الامن، إن التعاون تعبير عن "حسن نية" السجين
ازاء... الدولة!) فيشي بأصدقائه ورفاقه أو "يكتب التقارير" عنهم، أو على
الاقل
يتعهد عدم "العمل بالسياسة"، مقابل الإفراج عنه، والا يبقى في السجن الى ما
شاء
الله (ليس هناك أي زلل في اعتبار "المساومة" تدريبا على الخيانة).
قلت للعميد الذي طرح العرض: اني صاحب حق الآن. فقد اعتقلتموني اكثر من 11
عاما
من دون تهمة، ثم قدمتموني الى محكمة استثنائية غير علنية لا دفاع فيها ولا
شهود، ثم من دون ان يجبركم احد حكمتم عليّ بالسجن 15 عاما. انا صاحب حق الآن.
بالحرف الواحد قال الرجل الذي سيشغل منصبا وزاريا في حكومة ميرو الاولى: ما
الك
حق عندنا!
وبعد ثلاثة اسابيع، في بداية عام 1996 نُقلنا ثلاثين سجينا، الى سجن تدمر
الرهيب الذي يستحق سمعته الشنيعة واكثر. وكان "أعدل" ما في الامر ان بيننا
اناسا وافقوا على شروط "المساومة" كلها الى درجة انهم وعدوا بأنهم سيبيتون
ليلة
الغد في بيوتهم. لكن الغد لم يأتِ بالنسبة للبعض منهم الا بعد خمس سنوات
تدمريات ونصف سنة. ولم يفرج عن شخص واحد عند انتهاء المدة التي وجدتها "محكمة
امن الدولة العليا" عادلة. وحين كان يفرج عنا بعد الحاق هزيمة حزيرانية كاسحة
بنا في سجن تدمر كانت تجري "مفاوضات" مساومة جديدة ليقطف المنتصرون ثمار
نصرهم
المؤزر. اذ يجب الا يخرج احد من السجن فرحا طليقا!
لا اعرف أي حدس ومض في ذهن صنع الله ابرهيم حين كتب روايته الصغيرة "اللجنة".
لكن ليس حدثا روائيا ولا مفاجأة درامية ان انتهت لجنته الى اجبار بطل الرواية
على ان يأكل نفسه، لا، هذا الامر هو جزء من تعريف اللجنة بالذات. فاللجنة لا
تكون لجنة الا لأنها تملك هذا السلطان: كلوا انفسكم!
هناك دائما ما هو اسوأ!
لطالما تملكني خلال الايام التالية لموعد الإفراج المفترض عني شعور غامر
بالقلق، ولم احتج الى كثير من الجهد لأعرف ان هذا القلق مصنوع من الخوف
المحض.
كانت اللجنة قد توعدت بارسالي الى تدمر ان لم "اوقع" عقدا بأكل نفسي، لكن
رأسي
بقي "يابسا". وليس في هذا اليباس أي بطولة، فبكل بساطة لم اصدق التهديد. وكان
لديّ من الاسباب "العقلانية": ما يجعل عدم تصديقي معقولا. غير ان اسبابي
العقلانية لا تدل الا على عدم استيعابي للعقلانية "غير المتوازية" للسلطة
المطلقة والاعتباطية، اعني قدرتها دائما على اختراق سقف العقل، على مفاجأتك
بما
لا يخطر لك ببال، نفورها من أي قاعدة مطردة أو قانون مستقر يتيح لضحاياها
درجة
من التوقع الرشيد والتكيف المعقول. وطوال خمسة عشر عاما كان "القانون" الوحيد
ان هناك دائما ما هو اسوأ من اسوأ مخاوفنا: في السجن العرفي الذي سيدوم سنوات
تراوح بين أي مدة واحد عشر عاما ونصف عام، كانت المساومات المتطرفة المبنية
على
فلسفة كل شيء لـ"الدولة" مقابل لا شيء للسجين. كانت قبلها فنون القسوة في
التعذيب، كان قطع الزيارات بلا سبب، كان رفض التعامل معنا كسياسيين
وكمجموعات،
كانت محكمة امن الدولة،... فلماذا لا تكون تدمر ممكنة بعد 15 عاما؟
كان شعوري يعرف احسن من عقلي، وكان يعبّر عن نفسه بنوع من القلق الكتيم
الثقيل. وفي تلك الفترة فقط، وحتى قبل الشحن الى تدمر، عرفت معنى الزلزلة
الجذرية للأمن وخبرت تقصّف الركب، وامام اللجنة عرفت ما معنى نشفان الريق.
لكن
قد لا يكون السبب الخوف من اللجنة نفسها لأني بالفعل لم اكن خائفا، بل الخوف
اني عدت من جديد ريشة في مهب الريح بعدما ظننت انني اقتربت من المرسى. في
ذاكرتي تمثل الاسابيع الثلاثة بين "مساومة" اللجنة في 10/12/1995 وموعد نقلنا
الى سجن تدمر فترة الافتقار العميق للأمن وعودة كل توقعاتي وخططي للاهتزاز.
ورغم اني طمأنت زملائي بأن تدمر مجرد تهديد فان عقلي الباطن لم يطمئن. في تلك
الاسابيع الثلاثة كتبت 40 صفحة متوترة عن الحرية والامن، لكن السجانين لم
يسمحوا لي بأخذ دفتري حين افرج عني بعد قرابة عام، وكنت في وضع الناجي
المستعد
لخلع قميصه ليملص من المأزق.
زيارة في الفجر
اطبقت المجلد الاول من كتاب محمد عابد الجابري عن فلسفة العلوم عند الصفحة
120
في الساعة الرابعة والنصف صباحا من فجر يوم 3/1/.1996 تقلبت في فراشي مثل
دجاجة
تشوى طوال ساعة تقريبا. كنت نهبا للقلق والرعب. كنت قلقا من هذه القسوة التي
لا
حدود لها التي يمكن ان تسحقني مثل قملة. قلقا من استحالة توقع المصير. قلقا
من
اني عدت الى نقطة الصفر في الشهر الأخير من عام ،1980 عدت موقوفا "عرفيا" أو
"احترازيا" ولا تزال صفحات الدفتر الجديد بيضاء كلها.
حوالى الخامسة والنصف صباحا سمعت صوت مفتاح في قفل المهجع الاول من جناح
السياسيين في سجن دمشق المركزي المعروف بسجن عدرا. اختلجت امعائي بقوة حيال
كسر
العادة الاستثنائي هذا (تفتح ابواب المهاجع عادة في الثامنة صباحا) فُتحت
الابواب كلها، وطُلب منا ان نضب اغراضنا الشخصية. الى اين؟ منذ البداية تسرب
الينا اننا منقولون الى سجن تدمر، لكن كان للرجاء والتوهم رواياتهما: ذاهبون
الى فرع الامن من اجل مساومة جديدة، ذاهبون الى سجن صيدنايا حيث سيتم جمع كل
السجناء في البلد قبل الإفراج...
في "العادة" يؤخذ سجناء الرأي من امثالنا الى تدمر اما بعيد اعتقالهم واما
عقابا لهم على مشكلة تسببوا بها في سجنهم الاصلي: اضراب عن الطعام مثلا (اما
الاسلاميون فسجن تدمر هو "مكانهم الطبيعي"). اما بعد سنوات طويلة من الحبس،
وبعد الاحالة على محكمة امن الدولة، وعند نهاية النصف الاول من التسعينات،
فهذا
يتجاوز حد تخيلنا، ويبلغ الامر في حالتي حدا وسخا لأنني أنهيت سنوات حكم
محكمة
امن الدولة الخمس عشرة. لكن حالتي لم تكن فريدة جدا، فقد كانت مجموعتنا
المشحونة الى تدمر في عز مربعانية الشتاء تضم سجناء انهوا 14 عاما، أو
اقتربوا
من نهاية احكامهم التي كانت بين ثماني سنوات وخمس عشرة سنة.
وصلنا السجن ظهرا، ولاحظنا درجة من الدهشة عند ادارة السجن لوصول سجناء جدد.
تجاوز كثيرون منهم عشر سنين سجنا. ثم تلقينا بروتوكول السجن بسرعة" الرؤوس
منكسة دائما، الكلام همسا، الشعر والذقن والشاربان حليقة دائما. وتم اقتيادنا
من الادارة الى المهجع المخصص لنا ورأس كل منا عند اسفل ظهر متقدمه وعلى عيني
كل منا قميص داخلي أو بشكير. وكانت قافلتنا تتحرك بايعازات تبلغنا ان هناك
درجة
أو بابا، وربما صاحبت الايعاز رفسة على المؤخرة أو لكمة على الظهر.
تكسير خشب
اظن ان شعورنا في يومنا الاول لا يختلف عن شعور من وقع في بئر عميقة في منطقة
مقطوعة عن العالم. لعله شعور آدم عند السقوط. اختاروا احدنا رئيسا للمهجع
وابلغوه ان النوم في السابعة مساء والاستيقاظ في السابعة صباحا، وشرحوا
"نظـام
التعليم" باختصار، وحددوا مواعيد الطعام وكيف نستقبله. وحين احيل عليـ"هم"
بصفة
جمعية غير محددة فليس رغبة مني في ان اشملهم بهوية اتميز عنها، بل لأنهم
غارقون
فعلا في غفلية لا تتمايز. فلم ار ولم ير احد من زملائي تعابير وجه احد منهم
ابدا ولم ننظر قط في عيني أي منهم. ممنوع. فالعين ليست مغرفة الكلام فقط كما
يقول المثل الشعبي، وانما هي قناة التراسل والتعرف والتواطؤ والتنبؤ، أي
العلاقة الانسانية. مرة طلب رئيس المهجع من المساعد اول، المسؤول المباشر
عنا،
ان نرفع رؤوسنا حين نتحدث الى السجانين، رد البطل: وماذا فعلتم مما يرفع
الرأس
لترفعوا رؤوسكم؟
صباح اليوم التالي سمعت اصوات تكسير خشب آتية من بعيد. لكنها كانت تقترب بين
حين وآخر. في التاسعة والنصف فتح باب مهجعنا وتم استقبالنا رسميا.
"الاستقبال"
أو "التشريفة" حفلة "فلقة" من 100 "كابل" في "الدولاب" لكل واحد منا (قد
"يأكل"
الاسلاميون 500 كابل) ونحن عراة الا من الكلاسين. والهدف منها "كسر العين".
استغرق تكسير خشبنا نحن الـ11 نحو ساعة (قسمنا 22 شيوعيا موزعين على مهجعين،
وفصل عنا 8 من البعثيين العراقيين اخذوا الى مهجع مستقل). وحين كان بعض عناصر
السجن "يدولبوننا" تولى آخرون منهم تفتيش اغراضنا. سمح لنا بالالبسة الشخصية
فقط.
طوال اسابيع ظل السجانون مستغربين ارسالنا اليهم، لكنهم ارتاحوا في النهاية
الى
فكرة انه لو لم نكن اولاد قحبة لما نقلنا الى تدمر. وبالفعل يصعب ان يجود احد
منا بشهادة تدمر ابلغ من هذه. اقترح احد السجناء ان يكون شعار سجننا الجديد
شعار جحيم دانتي: ايها الداخل الى هذا المكان، تخل عن كل امل!
الغريب اني لم اصب بالرشح أو الكريب هناك قط رغم جو تدمر الصحراوي القارس
شتاء،
ورغم انعدام التدفئة وقلة الاغطية والالبسة، ورغم حمام الماء البارد دائما،
ورغم اني كنت سهل الاصابة بأمراض البرد في ظروف احسن بكثير في سجن عدرا وقبله
في سجن المسلمية في حلب. اظن ان الجسم يستنفر كل طاقاته للتكيف مع وضع طارئ
صعب.
"نظام التعليم"
طوال شهر ونصف شهر لم اتعرض لأي اذى جسدي يتجاوز بضعة "كفوف" على الوجه،
بينما
اصاب معظم زملائي عقاب اشد، خصوصا "المعلمين" منهم. و"التعليم" هو تمييز بعض
السجناء بعلامة محددة (ابو البيجاما الخضراء أو صاحب الفرشة الثالثة من
اليمين
مثلا) ليعاقبوا حين يفتح باب المهجع، أو غالبا صباح اليوم التالي، بعد تسلم
الفطور أو عند اخراجنا الى الباحة. ويُطلب عادة من رئيس المهجع ان "يعلّم" أي
عدد من السجناء يخطر على بال السجان ولأية اسباب يرتأيها. والعقاب يراوح بين
بضعة "كفوف" أو عشرات منها الى "دولبة" المعلم المنكود. الاشنع من العقاب هو
انخلاع قلب المعلَّم في انتظار العقاب، والشعور المقيت بدبيب ملايين ديدان
الخوف في الاحشاء والعضلات. والهدف من نظام التعليم التدمري غرس المنعكسات
الشرطية المناسبة، ومنع "روح" الاستقبال أو التشريفة من التقادم، أو ببساطة
انعاش كسر العين. ولديّ شبهة بأن مصدر "نظام التعليم" هذا هو نفسه مصدر
ديموقراطيتنا الشعبية: اوروبا الشرقية. اذ يروي كثيرون ان سوريا استوردت، منذ
بداية الازمة السورية أواخر السبعينات خبراء اوروبيين شرقيين في شؤون التحقيق
وانتزاع المعلومات و"تربية" السجناء.
لكن في احدى الليالي كنت "ليلياً"، أي اقوم بنوبة حراسة لزملائي النيام مدة
ساعتين اكون مسؤولا فيهما عن كيفية نومهم (على جنباتهم حصرا) وعن وضع
"الطماشات" على عيونهم وعدم انزياحها الى الاعلى أو الاسفل، وعن عدم وجود أي
منهم في دورة المياه، وعن أي شيء يخطر على بال "حضرة الرقيب اول" (هكذا كنا
نخاطب أي سجان خشية ان يكون رقيبا اول بالفعل) فوق سطح السجن (الوان فُروج
امهاتنا مثلا). من "الشرّاقة"، الشباك المفتوح دائما في سقف المهجع والتي
تنزل
منه اوامر التعليم عادة، لاحظ الحارس ان احذية زملائي وشحاطاتهم ليست مرتبة
في
زاوية محددة من المهجع. وهكذا عثر لي على ما يسليني لبعض الوقت في "ليليتي"
المملة: نقل الاحذية والشحاطات بفمي الى احد اركان المهجع. واستباقا للأمور
في
اليوم التالي بادرت الى السخرية من عقابي واعلنت لزملائي اني بعد صيام اكثر
من
شهر ونصف شهر افطرت على... شحاطات. لكن الايام كشفت ان هذا النوع من الافطار
ليس بدعة دهمت خيال سجان في لحظة سأم.
مر علينا صيف 1996 فظيعا من شدة الخوف وغزارة التعليم وسوريالية افانين
الترويع. في احد ايام ذلك الصيف، وبينما كنا جالسين منكّسي الرؤوس وايدينا
خلف
ظهورنا تحت شمس آب الحارقة في حوش المهجع امر السجان بأن يضع كل منا "شرفه"
في
فمه. كززنا على فردات احذيتنا بأسناننا وابقينا ايدينا خلف ظهورنا المحدودبة.
وكان حضرة الرقيب اول متسامحا حين تبين له ان الشخص الستيني الذي كان يسند
شرفه
بيده انما كان يؤازر طقم اسنانه في الإطباق على فردة الحذاء.
في ذلك الصيف عرفت الخوف كشعور جسدي محسوس، لا كقلق. كنت اعرف انه الخوف، ذلك
الشعور الذي لا يوصف ولا يطاق، شعور الوهن والتآكل الذي احس به يدب في خاصرتي
وفي عضلات عضدي، كدت افقد وعيي مرة من الخوف وانا ليليّ لو لم اوقظ رئيس
المهجع
ليتولى دقائق قليلة باقية من مناوبتي.
التوبة!
لم اكن انوي الدخول في اية تفاصيل، لكن شيطان التفاصيل يدخل نفسه في كل شيء.
افرج عني أواخر عام 1996 بعدما اكملت قرابة عام في السجن الفظيع. وحين تخرجت
من
الجامعة عام 2000 التقيت فيها بزميلين سابقين لي كان قد افرج عنهما قبل
اسابيع
فقط. امضى احدهما 19 عاما في سجن تدمر والآخر 18 عاما. ومع ذلك كانا يبدوان
شخصين طبيعيين وبصحة جيدة، وأحدهما هو الذي تذكر اننا عملنا معا في مخبر
الكيمياء في سنتنا الجامعية الاولى. ينبغي ان يكون هذا مذهلا: فسنة تدمرية
واحدة في الثمانينات تعادل سنوات في التسعينات، وبتدويني هذه الشهادة اجازف
ان
اكون "نقاقا" قياسا الى ما شهده الوف قبلي. ولا شك ان الفضل في سلامة زميليّ
الدراسة يعود الى الايمان. فلحسن الحظ لا احد يستطيع منع السجين من اللجوء
الى
ربه وإسلام روحه وقلبه له حتى لو كانت الصلاة والصيام ممنوعين اطلاقا في تلك
البقعة "المحررة" من الغيبيات والعقائد الدينية. ولعله الايمان ايضا ما كان
يدفع كثيرين الى التطوع لتلقي العقاب التعليمي المربع فداء لسجناء مرضى أو
مسنين.
اود في الختام ان استعيد خاطرا الح علي في باستيلنا المريعة: هذا سجن لا يجوز
هدمه أو إغلاقه. لم لا نقلبه متحفا لأدوات التعذيب، ونشيد فيه نصبا يكرم
عذابات
ضحاياه ويعلن اننا لن ننساهم. ونسمي هذا النصب نصب التوبة، توبتنا جميعا. هذا
جزء من عملية اوسع، سياسية وثقافية وقانونية وانسانية، تهدف الى ضمان تسامي
السوريين على اية دوافع ثأرية ممكنة وقطع الدائرة الجهنمية لتبادل مواقع
القاتلين والمقتولين. فالضحية الدائمة لهذه الدائرة هي الجميع وبلاد الجميع.
سجن تدمر عار سوريا، وبتكريم ضحاياه نوزع هذا العار علينا جميعا وبالتساوي،
لا
لأننا متساوون في المسؤولية عن الماضي ولكن تعبيرا عن استعدادنا لتحمل
المسؤولية معا في المستقبل.
نقلا عن النهار اللبنانية 1/7/