زيا اوديشو 2007/4/18
كل مجموعة قد تقع في أخطاء خلال مسيرة حياتها، وكذلك يفعل الأفراد، وهذا
اعتيادي وليس معيب، لكن المعيب هو أن تنْسى هذه الأغلاط ولا يُسْتفاد منها.
وهنا أودُّ أن أذكر أهم الأخطاء التي وقع فيها شعبنا الآشوري خلال فترة
ثلاثين سنة من1903م في حكاري التركية، مروراً بأورميا إيران وحتى آب 1933م
حين تعرض للمذابح الجماعية، والإبادة العرقية في العراق، لعله يتعظ بها.
أ- في حكاري التركية( 1903 م – 1915 م)
1- نشوء خلاف في البيت البطريركي الشمعوني( قوجانس). بعد وفاة البطريرك
روئيل، بسبب ترسيم خليفة من بعده. فأخوه الأكبر نمرود بيت مار شمعون أراد أن
يرسم إبنه إبراهيم 30 سنة، متعلم جيد. بينما الأخ الأصغر إيشاي أراد أن يرسم
إبنه بنيامين 18 سنة القريب من مرحلة المراهقة وتعليمه بسيط . ورجحت كفة
المؤيدين لمار بنيامين فرُسم بطريركاً للكنيسة 1903 م .
2- نكاية في خذلانه توجَّهَ نمرود لبطرك الكنيسة الكلدانية مار عمانوئيل يوسف
توما الثاني، فرسم إبنه إبراهيم أسقفاً في الكنيسة الكلدانية . مما أثار غضب
وكره وتوجس الملة النسطورية تجاهه وتجاه عائلته.
3- نمرود بيت مار شمعون، مع مالك بابو، رئيس عشيرة تخوما، وبعض الرؤساء
والمخاتير، ارتأوا التعاون مع الحكومة العثمانية، وتمَّ تعيين نمرود عضواً عن
الآشوريين في المجلس الاستشاري للأقليات. ولهذا السبب كانت الناس توسمهم
بالمُسْلمين. بينما فريق البيت البطريركي لم يتعاونوا مع العثمانيين، وكانوا
يأملون بأن الدول المسيحية لا بدَّ أن تخلصهم من النفوذ العثماني، وخاصة
الروس. هذا الانفصام خلق بلبلة وحقد بين أبناء الملة.
4- عدم اهتمام البيت البطريركي الشمعوني بنشر التعليم بين أبناء الشعب،
يذريعة عدم توفر الإمكانات، وبادعاء أن التعليم يضعف الإيمان.
5- هجوم بعض الآشوريين من عشائر مختلفة(أيار 1915 م) على بيت نمرود العم
اللزم للبطريرك مار بنيامين، وقتله غدراً وهو على فراش المرض، كما قُتِل معه
جميع الذكور رجالاً وشباباً ويافعين وأطفالاً باستثناء "لاون" الرضيع في
المهد. هذا الإجراء أثار سخط ونقمة المسؤولين العثمانيين على شعبنا .
ب- في أورميا الإيرانية( 1915 م – 1918 م )
6- تولّي البطريرك مار بنيامين مسؤولية القائد العسكري الأعلى للعمليات
الحربية والسياسية، وكان المفروض به كرجل ديني، أن يهتم بالمسؤوليات الدينية،
والإرشاد، ويسلم هذه المهمة لرجل علماني قدير، ذو خبرة حربية وسياسية ممارس،
كآغا بطرس. ولم يكن أي داعٍ للتوجس منه. وقد كان موالياً للبيت البطريركي،
معتبراً نفسه خادماً لأهل هذا البيت المقدس، كما كان يصرح جهاراً دائماً،
وكان مخلصاً للأمة والشعب.
7- الموافقة مع ممثلي الحلفاء المخادعين للمشاركة في الحرب (العالمية الأولى)
ضد العثمانيين وحلفائهم، بموجب وعود شفهية خلبية في مؤتمر أورميا(كانون
الثاني 1917 م) لتأمين دولة وكيان مستقل للآشوريين، بعد انتهاء الحرب، ونصرة
الحلفاء, دون الحصول على ضمانات رسمية مدونة، وموقعة من قبل هؤلاء الممثلين
في ذلك المؤتمر.
8- عدم الموافقة على اقتراح آغا بطرس الاستلام الفوري للسلاح الروسي في
المخازن (الذي تركوه للآشوريين حين رجوعهم لروسيا بعد ثورة أوكتوبر 1917 م
البلشفية) وتوزيعه على الناس، قبل أن يعلم الإيرانيون به ويأخذونه. وهذا الذي
حصل، وأخذوه وقتلوا به الكثيرين من أبناء شعبنا. (بقي بعض الضباط الروس ولم
يرحلوا مع جيشهم، مكرسين أرواحهم لمساعدة الآشوريين).
9- أكبر الغلطات هي التي حصلت في 16 أذار 1918م (3 أذار 1918م شرقي) في حوش
بيت سمكو( اسماعيل آغا زعيم عشيرة الشيكاك الكردية). حيث لم يُتخذ أي احتراز
أو اجراء أمني، بالرغم من الانتباه للرجال الأكراد المسلحين فوق سقوف الأبنية
المطلة عليهم. لا من قبل الآشوريين، ولا من قبل الضباط الروس المرافقين
للبطرك. على الأقل الخروج من الحوش. فقُتِلَ البطرك ومعظم الـ 150 مرافق من
أشجع وأبسل الرجال بما فيهم الضباط الروس باستثناء واحد منهم، الذي استطاع
الهرب والنفاذ. كما نفذ بعض الآشوريين، ومنهم دافيد شقيق البطرك.
10- بعد اغتيال البطريرك مار بنيامين استلمت زمام الأمور شقيقته سورما خانم.
وحصل فراغ وبلبلة في صف القيادة الآشورية وخاصة لتوجس سورما من آغا بطرس
والحقد عليه. خشية منافستهم على القيادة.
11- عدم تشكيل هيكل عسكري منظم منضبط، وترك كل مجموعة عشائرية تقاتل بتشكيلها
العشوائي الخاص على هواها تحت أمرة رؤسائها التقليديين. مفتقرة إلى التدريب
والتواصل والتعاون والتنسيق مع الآخرين.
12- انطلاء خدعة الطيار بننكتن الذي أرسله الإنكليزإلى أورميا في 8 تموز 1918
ليضلَّ الآشوريين فيسهل سحبهم إلى العراق. مدعياً: (بأن الحلفاء يرسلون لكم
معونات عسكرية ستصل إلى سائنقلا جنوب إيران وجب إرسال قوة عسكرية كبيرة
لاستلامها وجلبها إلى هنا لدعم مقاومتكم. وأن الحلفاء عند وعدهم لتأمين كيان
مستقل لكم)، وبهذه الخدعة استطاع سحب 1000 مقاتل من أشجع الرجال بقيادة آغا
بطرس، إضافة لهروب مالك خوشابا يوسف مع 12 مقاتل من صفوف الدفاع. مما أضعف
جداً خطوط الدفاعات أمام العدو الذي عزز وشدد وكرر هجماته العنيفة عليهم.
13- محاولة سورما خانم للخروج من أورميا بخفية، للالتحاق بآغا بطرس الذي تأخر
في العودة، بتوجس، أن يستأثر بهذه المساعدات لنفسه، وكان سبب تأخره هو
الانتظار لوصول هذه المساعدات الوهمية التي لم تصل أبداً. وعندما درت الملة
بها، هرب الناس خلفها بشكل عشوائي، تحت قنابل الأعداء. مع بقاء بعض الفدائيين
الأشاوس يحمون خلفية الناس الهاربين.
جـ - في سائنقلا وهمدان ( آب 1918م)
14 – حصل خلاف بين آغا بطرس وسورما خانم، حيث أراد آغا بطرس
تشكيل فرق عسكرية بمساعدة الإنكليز والعودة إلى أورميا لتحرير
كل المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام للنجاة بأرواحهم، إلا أن سورما
رفضت هذا الاقتراح، وخضعت لإرادة الإنكليز الذين استلموا كل
السلاح منهم، ونقلوهم بالشاحنات (آب 1918) إلى العراق وأسكنوهم
في مخيمات بعقوبة شمال بغداد التي جهزها الإنكليز لهم مسبقاً.
د- في العراق ( آب1918 – آب1933 م)
15 - وقوع الآشوريين المشردين دمية في يد الإنكليز الخبثاء الذين
أظهروا أنفسهم بالوحيدين المهتمين بهم، يقدمون لهم كل المعونات
وتحت سيطرتهم، وإرادتهم. فاستخدموهم أداة لحماية المصالح
البريطانية الاستعمارية في المنطقة. مما أثار سخط الشعوب المسلمة
(عربية، وكردية، والآخرين) ضدهم.
16 – ترسيم الطفل إيشاي بن دافيد عمره 12 سنة(1920) بطريركاً، بعد
وفاة عمه مار بولس، واستلام سورما خانم عمته كل المسؤوليات والاستشارات
وخاصة المدنية، والسياسية، والتعامل مع الإنكليز. وخضوع جميع
رؤساء العشائر والمخاتير التام لأوامرها، وتوجيهاتها.
17 – رفض البيت البطريركي( طبعاً سورما) لمبادرة مار عمانوئيل بطرك الكلدان
(1920م)، لتوحيد الكنيستين، والأمة، وللمطالبة بشمال العراق لتأسيس كيان
لـ( كلدوآشور) برئاسة آغا بطرس. تماماً كما رفضت مبادرة مماثلة سابقة
لبطرك الكلدان إليا عبو يونان(1892م)، لتوحيد الكنيستين والأمة.
18 – خيانة سورما خانم وبعض من أعوانها من الرؤساء الجهلة وبتحريض
ودعم الإنكليز. لتفشيل حملة آغا بطرس(1921م) لتحرير أرض
وتأسيس كيان للآشوريين حسب وعد الإنكليز الكاذب، المخادع .
19 – إصرار البيت البطيركي على المطالبة بامتيازاتهم على بني كنيستهم
بنفس الوضع الذي كانوا عليه في حكاري التركية، دون أن تدخل
الحكومة العراقية، أو الخضوع لسلطتها وقوانين البلاد.
20 – عدم الموافقة على عروض الملك فيصل بن الحسين ملك العراق في
رأس العمادية(1932م) مقر البطريرك مار إيشاي شمعون الذي صار
عمره 24 سنة، والإصرار على سفر البطريرك إلى جنيف للمطالبة
بالوعود التي قطعها الحلفاء مع الآشوريين في أورميا وخاصة الإنكليز
في العراق. وتقديم شكاوي وتذمرات الأهالي من المعاملة السيئة لهم
من قبل المسؤولين العراقيين، وعدم تسكينهم مجتمعين، وعدم إعطائهم
وضع خاص، بحيث يكون البطرك هو المسؤول عن الشؤون الدينية والمدنية
كما كانوا في حكاري التركية. دون أن يكون للحكومة العراقية علاقة بهذه
الشؤون. إضافة؛ إلى إغفال الإنكليز لقضيفهم، وإهمال، وتغاضي ظروفهم.
21 – محاولة المالك ياقو إسماعيل بعد اعتزاله الخدمة العسكرية في ليفي
الإنكليز
(1928م). ليصير المسؤول الأعلى لعشيرتي تياره السفلى وتياره العليا
وذلك بدعم البيت البطريركي، والميطرابوليط يوسف خنانيشو بسبب
علاقات المصاهرة. مما أثار توجس وسخط المالك خوشابا يوسف
زعيم عشيرة تياره السفلى، إضافة إلى حسده من سورما خانم التي
كانت تُكَوِش على كل الامتيازات. مما دفعه للانفصال عن خط
البطرك وأتباعه، والتعاون مع الحكومة العراقية ضد مصالح بني
قومه. في نفس الحين قيام المالك ياقو اسماعيل ببعض الاستعراضات
العصيانية، مما حدى بتفاقم سخط وحقد المسؤولين العراقيين على الآشوريين. 22 –
لجوء المالك ياقو اسماعيل رئيس عشيرة تياره العليا، والمالك لوكو
بداوي رئيس عشيرة تخوما في 17 تموز 1933م إلى خانيك
السورية للطلب من الفرنسيين لجوء سياسي. بدلاً من تكملة سيرهم
لبغداد لمقابلة وزير الداخلية حكمت سليمان والبطريرك مار إيشاي
الذي كان قيد الحجز في بغداد للتشاور لحل الأزمة بينه وبين
الحكومة العراقية. غير أنهما خشيا من أن تكون خدعة لاعتقالهما
واعدامهما. لذلك هربا إلى سوريا. حسب ما ساورهما آنئذ.
23 – خروج 995 نفر بينهم كهنة وبعض النساء بتأجيج وخداع القس ججي
(كيوركيس) من عشيرة تخوما، والتوجه إلى خانيك السورية(20 تموز
1933م). دون علم أحد، لا الرؤساء الهاربين ولا البطرك. بهدف
الالتحاق بالرؤساء وطلب اللجوء معهم. مما أثار توجس المسؤولين
العراقيين وظنونهم وريبتهم. وسهل نجاح الفخ الإنكليزي، ومؤامرتهم.
24 – إصرار المالك ياقو على عدم مقابلة الضباط الإنكليز، ميجر تمسون
والكابتن سرجون الذان حضرا إلى خانيك لمقابلته مع المالك لوكو.
ولا يعلم أحد حتى اليوم ماذا كانت غاية الإنكليز من تلك المقابلة.
25 – إناطة المسؤولية(في كل مكان وزمان) والاستشارات واتخاذ القرارات
بزعماء العشائر والمخاتير، ومعظمهم جهلة أميين، ينصاعون
كالخراف لأوامر البيت البطريركي. دون اعطاء أي دور أو أهمية
للمتعلمين والمثقفين وذوي الكفاءات من عامة أبناء الأمة العاديين.
26 – عدم وجود أي منظمة أو حزب سياسي يتحمل مسؤولية توعية
الجماهير وتوحيدهم وارشادهم لما فيه خير الأمة ومصلحتها. فالبيت
البطريركي وحتى الآن تقريباً كان يعتبر مقدساً معصوماً من الأخطاء.
ويا ويل لمن يتجرأ ويتصدى لإرادتهم !.
27 – لم تحصل أي محاولات التواصل الجدية بين أبناء هذه الكنيسة وأبناء
الكنائس الأخرى الكلدانية والسريانية. والسبب أن العائلة المارشمعونية
لم تكن تشجع ذلك بل كانت تكافحها في مهدها، كما حصل على بيت
نمرود وهو العم اللزم للبطريرك مار بنيامين. وآغا بطرس الجنرال الفذ.
28 – وقوف المالك خوشابا يوسف رئيس عشيرة تياره السفلى مع بعض
رؤساء العشائر الأخرى في صف الحكومة العراقية مفندين كل طلبات
واحتجاجات الجانب البطريركي. أضرَّ كثيراً بمصلحة شعبنا، وفسح
المجال أكثر لهذه الحكومة للتمادي في ظلم شعبنا وتضييع حقوقه.
29 – وقوف عناصر الجيش الليفي من العساكر الآشوريين موقف
المتفرجين واللامبالي حيال كل تلك الويلات والأحوال المأساوية
لأبناء ملتهم وهم يتعرضون للذبح والحرق والسلب والنهب والسبي
والاغتصاب. كانت بمثابة خطأ فاحش، وخيانة عظمى لا تغتفر.
30 – جميع هذه الأخطاء نشأت من الجهل المستشري، وقلة التعليم،
وضعف الوعيي القومي، والتحيز العشائري والقبلي والنَسَبي،
والتعصب المذهبي الأعمى، ومن الحسد والتملق والأنانية والإهمال
واللامبالاة. وعدم الإحساس للقيام بالواجب. وإلقاء تبعته على الآخرين.
_______________________________________________
المراجع: - "كليانا" لمؤلفه ِشموئيل كليانا يونان,
"الآثوريون في العراق" لمؤلفه رياض رشيد ناجي الحيدري.
"آغا بطرس سنحاريب القرن العشرين" لمؤلفه نينوس نيراري.
"قصة الثورة" من تأليفي.