إقرا في المحطة

 

الثور المجنح



2007/4/6

كم يغيظني غالبية الآشوريين من أبناء شعبنا، بطوائفهم المختلفة(كلدان- سريان-نساطرة، والآخرين) حين تسأل أحدهم، ماذا تعرف عن الثور المجنح؟ يتشدق ويقول مجاوباً عن جهل وغباء مدقع؛ بأن صورة الثور المجنح، تمثل الملك نبوخذ نصر المغرور المتعجرف، الذي حاول تناول القربان المقدس على رأس رمح، فغضب الله عليه ومسَّخه وحَوَّله إلى ثور. خرج إلى البرية يرعى الأعشاب مع الحيوانات، ويعيش بينهم، كما روى لهم كهنتهم العارفين في عظاتهم، بناءً على ما ورد في سفر النبي دانيال في التوراة(الأصحاح الرابع: 23 – 33). وكان قصاص الله عليه البقاء ثوراً لسبعة أزمان. وبعد انتهاء الأيام عاد إنساناً (نفس الأصحاح: 35-37) دون أن يراود أذهانهم؛ الممسوحة بدجل كتبة اليهود، الحاقدين على نبوخذ نصر، الذي أجبره ملوكهم العصاة المتمردين لاحتلال أورشليم، وهدم معبدها، وسبي أهلها مع ملكهم صدقيا، إلى بابل، وبلاد ما بين النهرين راجع(سفر الملوك الثاني في التوراة "الأصحاح الخامس والعشرين:1 – 7") أيُّ إدراك للفارق الزمني بمقدار ستة قرون بين الملك نبوخذ نصر(605 ق.م.)، وبين المسيح والقربان المقدس. حتى أيقونة الثور المجنح الذهبية، التي يعلقونها في رقابهم يسمونها "نوخِتْ ناصِرْ" أي نبوخذ نصر. هذا كل ما يفهمه أبناء شعبنا عن الثور المجنح. لنرى كيف يفهمه علماء الآثار والباحثين، وماذا يقولون عنه ؟!.

رائد الإنتروبولوجيا البنيوية الألماني" كلود ليفي شتراوس "؛ يستوحي من تمثال الثور المجنح العملاق ذو الألغاز العميقة ما يلي: [ بأنه نتاج الفكر الأسطوري لمدلولات ميثولوجية، بشأن تنظيم العلاقات، الذي يفسر واقع الماضي والحاضر ورؤى المستقبل، المبنية على إعادة تكوين الكل من الأجزاء ( أي عملية التحليل الجزئي ثمَّ التركيب الكلي) لتحقيق الأهداف المنشودة، في جمال فني مدهش أخّاذ ].

أما المفكر والباحث والناقد الفني العراقي " زهير صاحب "؛ فيستوحي الرؤية التالية:

[ إن الإبداع التشكيلي على مر التاريخ هو عبارة عن تركيبٍ واعٍ، تجود به ذهنية الفنان ووعيه، وموهبته، وبغيته، في تنظيم تحليلي تركيبي لبنائية الأشكال ذات مرجعيات معرفية، ترتبط ببنية الفكر كماً وكيفاً. أي أنه نظام يتوالد من التلقيح الحضاري، بحيث أننا نفهم القديم الأسطوري برؤية إعادة الفهم المعاصر، لأصوليته الأسطورية وليس العكس ]. كل هذه المفاهيم، والمعاني، والقيم، والمعايير الفنية، والجمالية، والفلسفية هي متضمنة وشاملة في عمل الفنان الآشوري، الذي أبدع نحت تمثال الثور المجنح الضخم الرائع، المشحون برمزية متعددة الجوانب، منذ بداية الألف الأول قبل المسيح.

وفي الواقع أن الإنسان منذ بدء تفتح وعيه الحضاري، سعى لإثبات وجوده الحضاري الواعي، بقوة اللغة والصورة والنحت والعمران ضمن رمزيات ذات مخزى، ومفاهيم، ودلائل، تخلد ذكرى هذه الحضارة على مر الأجيال والأزمان. وعلى ضوء كل هذا؛ يمكننا التأكيد بأن في تمثال الثور المجنح، سعى الفنان الآشوري، برهافة حسه، وكفاءته العميقة؛ ومهارته الفائقة استخدام رمزية فنية راقية، تتضمن قصدية معرفية تمس كلا طرفي المعادلة في المجتمع، والتي تشمل مسألة الإيمان العقائدي، وقضية الهوية والانتماء القومي، كمشاعر تنموا في أعطاف الإنسان، فتنتج لذاتها في نفس هذا الإنسان، عوامل، ودوافع، وآليات تهدف للحماية والثبات والاستمرار، أي أنه مجموع مركبات الميثولوجيا، والسيكولوجيا، والسوسيولوجيا، والتي من تحليلها واستيعابها، استطاع هذا الفنان جمع وتوظيف مجمل الأفكار الشائعة, والأنشطة الممارسة في المحيط الحضاري من أسطورية، وعقائدية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وعسكرية، وغيرها، ليعبر عنها في دلالة رمزية من نتاج روحي، استودعه في تمثال الثور المجنح الذي فيه، جِسْمُ الثور يعبر عن رمزية [ القوة – الفحولة – الزراعة – المعيشة ] . أما إضافة أجنحة النسر سيد الجو، فأراد بها التعبير عن رمزية استدلالية أخرى تشير أيضاً إلى [ القوة – السرعة – السيادة ]. بيد أنَّ القوائم الخمسة الصارمة، فهي ليست للدلالة على عنصر القدرة فقط، إنما أيضاً [ للثبات – والتوطد - والاستعصاء – والاستمرار ]. في حين أنَّ العظمة والقداسة الميثولوجية؛ بدت في رأس التمثال، الذي يعبر عن الإله الذي يرمز إلى [ العقل السامي والقيادة الحكيمة – الحماية – والعياذ من الأرواح الشريرة ]( إن الفنان في ميزوبوتاميا بحسب الميثولوجيا السائدة. كان يصور الإله في صورة ورأس إنسان، بعكس الفنان الفرعوني المصري، الذي كان يعطي لآلهته رأس الحيوانات البشع. فمن الميثولوجيا الآشورية نقل كتبة التوراة " قول الله في خلق الإنسان على شكله، وصورته "، راجع سفر التكوين في التوراة "الأصحاح الأول:27 "). وكان هذا الفنان في أغلب الأحيان؛ ينحت وجه الملك الذي في عهده يصنع التمثال، لتستعيض عن وجه الإله. ربما للإطراء والمداهنة، أو تَيَمُّناً، أو بأمرٍ توجيهي. فالفنان الآشوري بهذا الإبداع الرائع، لم يكن فقط يعبر عن ذاته، إنما في نفس الحين؛ كان يقدم للمجتمع مرجعية معرفية تاريخية، يسترشد ويهتدي بها ذلك المجتمع، كي يعي ذاته)هويته) ووجوده وواقعه، في استمرارية دائمة، جيل بعد جيل، تمكنه من استرجاع الماضي، واستيعاب الحاضر، واستقراء المستقبل. وهكذا فإن فكرة الفنان، ونظرته أكدت لنفسها مكانة راسخة، تشبَّثتْ بها الجماعات والأجيال، بغية اِلْتِماس البقاء، والسلامة، والإطمئنان، والعيش السعيد، والاستمرار، وصنع الحضارة وتطورها.

والمدهش العجيب الغريب؛ هو مطالبة بعض الباحثين الأمميين باحتجاج؛ مدعين أن تمثال الثور المجنح، ليس رمزاً يخص بلاد آشور فقط. إنما هو رمزاً حضارياً شاملاً يخص كل البشرية، كمدلول كوني للأبدية. هذا ما يراه الباحثون الغرباء عن الثور المجنح الرائع .؟!

كان سكان بلاد ما بين النهرين يطلقون على هذا التمثال إسم " شيدو لاماسو " وترجمتها طارد الشرير.(Sheedu Lamassu) The Evil Repellent.

بدأ ظهور هذا الفن، كما ذكرت؛ حوالي 1000 ق.م. وأعظم هذه التماثيل وأضخمها هي التمثالين على بوابة مدينة "دور شاروكين" في عهد الملك سرجون الثاني (721- 705ق. م.) إذ يبلغ وزن الواحد منها 30 طن، وطوله 4.43 متر، وارتفاعه تقريباً مثل طوله. وأحدها موجود الآن، في صالة العرض للمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو – الولايات المتحدة.

إلى جانب تمثال الثور المجنح ذو الخمسة قوائم، كانوا ينحتون أحياناً تماثيل بأربعة قوائم. وأحياناً أخرى كان يُسْتبدل جسم الثور بجسم الأسد. ويُذكر بأنه بسبب عدم توفر الصخور الضخمة أخيراً، فإن تماثيل الثيران المجنحة في عهد الملك آسرحدون (680-668 ق.م.) كانت تنحت أجزاؤها على عدة صخور، ثمَّ تلصق ببعضها لتصنع تمثالاً كاملاً. أما في عهد الملك آشور بانيبال(668-626 ق.م.) فلم تنحت منها أيَّ تماثيل، وذلك بسبب ندرة الصخور المناسبة حتماً. كانت هذه التماثيل تُنْصب دائماً ثنائياً "مزدوجاً"، على بوابات المدن، أو على مداخل قصور الملوك، أو مداخل المعابد.

باحثون آخرون يُؤَوِلون مخزى صورة تمثال الثور المجنح عموماً؛ إلى عظمة بلاد آشور في [ الذكاء – القوة – السرعة - السيادة]. إلى جانب إمكانية اعتباره مجازاً تمثيلاً لـ [ الآلهة – أوالملوك – أوالأبطال].

بقلم المهندس: زيا أوديشو

ملاحظة- شتان بين فهم الآشوريين الوضيع المبتذل، لأقدس وأخلد رمز أجدادهم، وبين تقييم العلماء الغرباء السامي، لهذا الصرح الحضاري الكوني المقدس، فالفارق يبدو شاسع جداً.!؟ وللأسف الشديد؛ فإن الآشوريين بالرغم من كل هذا الشرح، سيظلون يصرّون على أنه (نوخِتْ ناصِرْ) نبوخذ نصر، لأن التوراة هكذا يقول!. علماً أن جنازة الملك نبوخذ نصر، تعتبر الثانية في التاريخ حتى الآن، بعد جنازة الملك آشور بانيبال، من حيث حشود المشيِّعين، من ملوك وأمراء وقادة وكهنة وعامة الناس. فهل يحضر كل هؤلاء في جنازة ثور؟ وإذا مسَّخه إله اليهود إلى ثور، فلماذا يعطيه خمسة قوائم، ويوضع له أجنحة ؟!.

 

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية