مذابح

 
 
مذابح الآشوريين ... رحلة الموت ... والعذاب
 
 

أ. شوسين
تعتبر بلاد ما بين النهرين من أقدم المراكز الحضارية في العالم القديم. ومنذ فجر التاريخ أقام فيها الآشوريين المدن وكونوا لهم حضارة وثقافة نمت وازدهرت حتى انتشرت وسادت في مناطق واسعة من بلاد الشرق.م، بعد سقوط نينوى سنة 612ق.م ، بدأت حضارة بلاد ما بين النهرين تتعرض للهدم والتخريب والدمار على أيدي الغزاة الأجانب من (الفرس والروم والعثمانيين....وغيرهم ).حيث كانت معظم الموجات الغازية الطامعة اتسمت بحملات الإبادة الجماعية وإفراغ بلاد ما بين النهرين من سكانها الأصليين.

في بداية القرن السادس عشر الميلادي نجح العثمانيون في ضم بلاد ما بين النهرين وأرمينيا ومعظم المناطق العربية في آسيا وأفريقيا إلى إمبراطوريتهم. وعندما اتجه العثمانيون غرباً لتحقيق أطماعهم بالسيطرة على أوربا، تركوا الأقوام القاطنة هناك على حالها تتمتع بشيء من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونهم الداخلية. إلا أن هذه الحالة تغيرت مع بداية انحطاط العثمانيين في بداية القرن الثامن عشر. وبعد أن بدأت تركيا تخسر مستعمراتها في أوربا الشرقية وشمال أفريقيا، أعادت السيطرة المركزية على الأقاليم العثمانية في آسيا فقامت بغزوها وأعادت فرض السيطرة التركية على المراكز الأرمنية في أرمينيا ومناطق الآشوريين في بلاد ما بين النهرين مثل تياري وحكاري وطور عابدين. جلب الأتراك وحلفاؤهم خلالها الدمار الشامل لمناطق الأرمن والآشوريين وهلاك سكانها وتشريدهم وطردهم إلى مناطق بعيدة عنها، بعد أن حولها إلى ساحة حرب ومذابح جماعية. فقد مارسوا شتى أنواع التدمير والنهب والتخريب بحق ثقافات وحضارة شعوب عديدة في مقدمتهم الأرمن والآشوريين واليونان.

معظم المراجع التاريخية عن أصل الأتراك يؤكد على أنهم جماعة أو قبيلة من متوحشة من العثمانيين اندفعت من سهوب آسيا الوسطى، سحقت شعوب بلاد ما بين النهرين وآسيا الصغرى واحتلت مصر والجزيرة العربية وأقامت إمبراطوريتها على جماجم هذه الشعوب وعلى أنقاض حضارتها. فقد اجتاح الأتراك كل هذه المناطق بقوة تدميرية هائلة وأصبحت بلاد ما بين النهرين (سلة الغلال) صحراء قاحلة خلال سنين معدودة وأصاب مدن الشرق الأوسط البؤس وأصبح سكان هذه المناطق التابعة لهم عبيداً. إن الشعب الآشوري الذي أغنى الحضارة الإنسانية عبر التاريخ. ومعظم الشعوب التي استعمرها العثمانيون التي عانت من مظالم العصبية والسياسة الشوفينية للعثمانيين حتى وصل الأمر بهذه الشعوب إلى مستوى الانحطاط الثقافي والاجتماعي بسبب عقلية الرعاع الأتراك المستعمرين وما زالت بصمات التخلف وآثار الانحطاط ظاهرة على هذه الشعوب. وقد شخص كل من شكسبير وفيكتور هوغو مخاطر السياسة العثمانية الغاشمة بالقول: (من هنا مرّ الأتراك). والدولة العثمانية لم تكن تهدف إلى مجرد إبادة هذه الشعوب من خلال القتل الجماعي والتهجير فحسب ، وإنما كانت محاولة لدفن أعرق وأقدم حضارات الشرق القديم،فهي لم تكن عدو هذه الشعوب فقط بل كانت عدو الحضارة والثقافة الإنسانية ذاتها . هذا وقد عبث الغزاة الأجانب بماضي وحاضر ومستقبل شعوب المنطقة. لو ألقينا نظرة سريعة على الخريطة السياسية لدول المنطقة التي رسمت بعد الحرب العالمية الأولى حيث تم تصفية تركات الإمبراطورية العثمانية بعد سقوطها نلاحظ أن حدود جميع هذه الدول يفتقر للموضوعية ووضعت لتخدم مصالح الدول الاستعمارية المتنفذة على حساب شعوب المنطقة فقد كان الخطأ التاريخي الكبير والخطأ التاريخي من الصعب جداً تصحيحه- هو عدم معالجة قضايا هذه الشعوب مما سبب لها الكوارث والمحن على مدى عهود طويلة وإلى تاريخ اليوم.

وتعتبر الفترة المحصورة بين 1841-1848 مرحلة عاصفة في تاريخ وحياة الآشوريين في بلاد ما بين النهرين، حيث سادتها حالة الصراع الذي فرض عليهم من قبل أطراف مختلفة في مقدمتها الأتراك وكذلك المبشرون الأوربيون والأمريكان ومن معهم من حلفائهم من العشائر والقبائل الكردية، في مقدمتهم زعيم أكراد بوتان (بدر خان بك). يقول عنه هرمز أبونا- في كتابه الآشوريين منذ سقوط نينوى (الذي أقترف أولى المذابح الجماعية في التاريخ الإنساني الحديث حيث توفرت له فرصة ذهبية أثناء فترة فرض الأتراك لحكمهم المباشر على بلاد ما بين النهرين لإكمال التغيير في الخريطة الديمغرافية والسيطرة على ما تبقى من المناطق الجبلية لبلاد أشور التي ظلت مستقلة حتى ذلك الحين). إذن ثلاثة أطراف رئيسية كان لها تأثيراً مباشراً في تقرير حاضر ومستقبل الشعبين الأرمني والآشوري وهي: الأتراك والأكراد والمبشرون الغربيين. فقد كان للأطراف الثلاثة دور مباشر وغير مباشر في المذابح التي تعرض لها كل من الأرمن والآشوريين وما لحق بوطنهم من تدمير أثناء حملة إخضاعها. فمنذ سنة 1831م شهدت بلاد ما بين النهرين حضوراً عسكرياً وسياسياً تركياً تزامن مع الحضور الغربي الذي أتخذ أشكال متعددة، وكان أكثرها فاعلية وتأثيراً النشاطات السياسية للمبشرين الذين تمكنوا من رسم مسار الأحداث بالطريقة التي أدت إلى النتيجة المتوخاة وهي إخضاع المناطق المسيحية للسيطرة التركية المباشرة،وقد قام المبشرون بتنسيق جهودهم مع كل من الأتراك والأكراد.
يقول الباحث هرمز أبونا في كتابه (الآشوريون بعد سقوط نينوى) عن دور المبشرون في المذابح: ((مبشرون أم سياسيون؟ لقد لعب المبشرون خلال فترة بين 1831-1847م دوراً مؤثراً في حياة الشعب الآشوري (السرياني) في بلاد ما بين النهرين، وكانوا وراء الكثير مما حل بأبناء هذا الشعب من نكبات ومآسي وتدمير شامل للبنية العامة التي كان قد نجح بالمحافظة عليها وعلى كيانه القومي وترابه الوطني إلى وقت حضورهم إلى المنطقة)). وقد أكد هذا الدور مراسل الجريدة اللندنية باد كير- . تلك المذابح أدت إلى تحقيق النتيجة التي كان الأتراك ومن معهم من الأكراد يتوقون إليها وهي الاحتلال المباشر لمناطق السريان (الآشوريين) والأرمن، وهذه كانت تصب ضمن دائرة المصالح العليا للقوى الغربية الهادفة إلى السيطرة على المستعمرات العثمانية في آسيا. فقد أظهرت الوثائق هؤلاء المبشرون كسياسيين لا كرجال دين، لقد عمل المبشرون الغربيين كل ما بوسعهم لإنجاح الحملة التركية للقضاء على المسيحيين من أرمن وآشوريين ويونان، باعتبار كان ذلك من مستلزمات السيطرة على مستعمرات الإمبراطورية العثمانية المريضة بعد سقوطها. لقد أنخدع الأرمن والآشوريين المسيحيين بالمبشرين باعتبارهم مسيحيين مثلهم ولم يدركوا بأنهم جواسيس لا مبشرون جاءوا لخدمة حكوماتهم وتحقيق غاياتهم ومصالحهم. فبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م بين تركيا العثمانية وألمانيا من جهة ومع كل من روسيا وإنكلترا وفرنسا من جهة ثانية وقف الأرمن والآشوريين إلى جانب دول الحلفاء في الحرب على أمل أن يحققوا لهم الوعود التي قطعوها على أنفسهم بحماية المسيحيين داخل الإمبراطورية العثمانية والدفاع عن حقوقهم القومية بتحرير أرمينيا وبلاد ما بين النهرين وإقامة الوطن القومي لكل من الأرمن والآشوريين. خاصة بعد أن تم تجنيد الكثير من الجواسيس للوفود إلى هذه المنطقة باسم المبشرين ورجال الدين وتمكن هؤلاء من أن يوهموا القيادات المسيحية بأن الأتراك عازمون على ضرب المسيحيين والقضاء عليهم ونصحوهم بحمل السلاح ضد تركيا، ومن جهة أخرى أوهم السلطات التركية ذات النزعة القومية المتعصبة بأن المسيحيين يتسلحون من روسيا وهم يستعدون لضرب تركيا من الداخل. الأمر الذي دفع تركيا لمطالبة الأرمن والآشوريين بتسليم سلاحهم فوراً. ولما امتنعوا عن ذلك أعلنت الجهاد المقدس على المسيحيين رعايا الدولة العثمانية، وجهزت تركيا حملاتها العسكرية ضدهم وجندت لهذا الغرض آلاف الأتراك والأكراد تحت اسم (الفرق الحميدية).

في نهاية القرن التاسع عشر بدأ ينمو الوعي القومي و الفكر السياسي الوطني للشعوب المظلومة وبدأ المثقفين والمفكرين من هذه الشعوب بإنشاء حركات التحرر وتأسيس الأحزاب الوطنية التي طالبت وناضلت من أجل التخلص من وطأة حكم الأتراك العثمانيين وبدأ يتصاعد النضال التحرري والكفاح المسلح لهذه الشعوب المظلومة من (العرب والأرمن والآشوريين ...وغيرهم...وغيرهم ....). مما دفع تركيا -وهي تشعر بالهزيمة - للقيام بحملة اعتقالات وإعدامات لرواد الفكر القومي ورموز النضال التحرري الذين دعوا إلى تحرير الشعوب المظلومة من حكم الأتراك. وكانت هذه الحملات تمهيداً لحملات الإبادة الجماعية و(المذبحة الكبرى)عام 1915م بحق الأرمن والآشوريين. والتاريخ الآشوري حافل بأمثال هؤلاء المناضلين أمثال الصحفي أشور يوسف الذي أعدمته السلطات التركية عام 1915 والمفكر نعوم فائق الذي ترك وطنه بسبب ملاحقة السلطات التركية له.
يقول(أرنولد توينبي) المؤرخ الإنكليزي في مذكراته)): لم يكن المخطط يهدف إلا إلى إبادة السكان المسيحيين الذين يعيشون داخل الحدود العثمانية.)). ويقول(هنري مورغنتاو) السفير الأمريكي لدى القسطنطينية)) في ربيع عام 1914وضع الأتراك خطتهم لإبادة الشعب الأرمني.وانتقدوا أسلافهم لعدم تخلصهم من الشعوب المسيحية أو هدايتهم للإسلام منذ البدء. ويضيف: لقد أتاحت ظروف الحرب للحكومة التركية الفرصة، التي طالما تاقت إليها، لإحكام قبضتها على الأرمن)). فبدلاً من أن تنفذ تركيا الالتزامات. التي تعهدت بها في الهيئات والمحافل الدولية اتجاه القوميات غير التركية ورعاياها من المسيحيين، قامت بارتكاب المجازر الجماعية بحق هذه الشعوب.وجندت لها الآلاف من جنود الجيش وبعض القبائل والعشائر الكردية المسلمة باسم الدين. هذا وقد أدانت القوى العالمية الكبرى تلك المذابح واستنكرتها وحملت الحكومة التركية مسؤولية كل ما جرى من ويلات ومآسي للأرمن والآشوريين. ونالت قضايا شعوب المنطقة الواقعة تحت الحكم العثماني المزيد من التعاطف والتأييد الدوليين. ففي كانون الثاني عام 1919م وضعت الدول الكبرى الأربع- إنكلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا- مسودة صيغة تحدد أهداف الحلفاء من الحرب وقد تضمنت الفقرة التالية التي تتناول القوميات من رعايا الإمبراطورية العثمانية ما يلي)) نظراً لسوء إدارة الأتراك لرعياهم من الشعوب الأخرى والمجازر الرهيبة التي ارتكبوها ضد الأرمن وضد شعوب أخرى كالسريان خلال السنوات الأخيرة، فإن الحلفاء والقوى المرتبطة بها وافقت على وجوب اقتطاع أرمينية وسورية وبلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية بصورة نهائية عن الإمبراطورية التركية)).
في الرابع والعشرين من نيسان من كل عام يقف الشعب الآشوري بطوائفه إلى جانب الشعب الأرمني الشقيق دقيقة صمت حداداً على أرواح ملايين الشهداء الذين قضوا نحبهم في المذبحة الكبرى التي نفذها الجيش التركي ومن معه من العشائر والبائل الكردية عام 1915 بحق كلا الشعبين، في أرمينيا وبلاد ما بين النهرين الواقعة تحت الحكم العثماني. أرادت الدولة العثمانية من هذه المذبحة الجماعية البشعة التخلص من الأرمن والسريان الآشوريين في وقت بدأت قضيتهما تحظى باهتمام إقليمي ودولي مع تصاعد نضالهما التحرري للتخلص من الاحتلال العثماني. في مثل هذا اليوم يستعيد كل من الأرمن والسريان الآشوريين ذاكرتهم التاريخية بكل عناصرها ومكوناتها، ليس من أجل استعادة الماضي بكل مآسيه وآلامه ونكباته والبكاء على أطلال حضارتهم، وإنما لتذكير تركيا بتلك الجرائم الإنسانية التي اقترفتها ومطالبتها الاعتراف بمسؤوليتها تجاهها وتحمل ما يترتب على ذلك من نتائج. كذلك لإيقاظ الضمير العالمي اتجاه ما يجري من جرائم إنسانية بحق العديد من الشعوب هنا وهناك بين فترة وأخرى، كما يجري اليوم بحق الشعب الفلسطيني من جرائم وما يتعرض له من قتل وطرد جماعي من أرضه وهدم المنازل على سكانها على أيدي الجيش الإسرائيلي المحتل لفلسطين.
لم تكن المذبحة الكبرى التي قام بها العثمانيين عام 1915م سوى واحدة من سلسلة المذابح الكثيرة التي تعرض لها الآشوريين عبر تاريخهم الطويل، كانت أخرها مذبحة (سيمل) في العراق عام 1933م. لكن المذبحة الكبرى على يد الأتراك تمثل أقسى مراحلها لا بسبب الأعداد الكبيرة من القتلى فحسب، وإنما لبشاعة الجريمة والطريقة البربرية والهمجية التي نفذت بها المجزرة. فقد اتسمت الحملة بأبشع صور السادية والعنصرية والنازية، وعدم الرحمة والتمييز في القتل بين الرجال والنساء والأطفال حيث شملتهم المذابح.وقد وصفها بعض شهود العيان الذين تسنى لهم الإطلاع على نماذج من المذابح،وقد قارنوها مع تلك التي أقترفها تيمورلنك أثناء مذابحه الدموية الشاملة ضد أبناء بلاد ما بين النهرين خلال أعوام 1393-1401م .ويعتبر القنصل البريطاني في الموصل من أكثر المراجع الدبلوماسية الغربية قرباً من مسرح وساحات المجازر المرعبة ،ففي تقرير له إلى سفير بلاده في القسطنطينية كتب واصفاً تلك المذابح بالقول: ((بأنه عار في جبين الإنسانية)).يقول الفيلسوف الإنكليزي (كانت): ((إذا كان قتل طفل بريء يسعد البشرية جمعاء فقتله جريمة))، ماذا كان سيقول كانت لو علم أن العثمانيين لم يقتلوا طفلاً بريئاً فحسب، وإنما قتلوا وأبادوا شعوباً وأمماً بريئة. وإذا قارنا الخريطة الديمغرافية للمناطق المسيحية في كلٍ من أرمينيا و بلاد ما بين النهرين الواقعة تحت الحكم العثماني كما كانت عليها قبل المذبحة الكبرى عام 1915م مع ما أصبحت عليه بعد المذابح نكتشف ببساطة هول الكارثة وحجم المأساة التي حلت بالشعبين الأرمني والآشوري. ومدى الخراب الذي لحق بالبنية التحتية والفوقية لمجتمعات هذه الشعوب. وأنها كانت بدون مبالغة محاولة لإنهاء الوجود المسيحي من هذه المنطقة، ودفنه وبكل ما كان يملكه من حضارة وثقافة وتاريخ تحت الأرض.

يقول (هنري مورغنطاو السفير الأمريكي في تركيا ما بين 11913 - 1916 في كتابه قتل أمة: (إن التعصب الديني عند الغوغاء والرعاع الأتراك ومن معهم من الأكراد بدون شك كان الحافز الذي دفعهم لذبح الأرمن خدمةً لله. لكن الذين فكروا وخططوا للجريمة كانوا عملياً كلهم ملحدين لا يحترمون لا الإسلام ولا المسيحية والباعث الوحيد عندهم كان تمرير سياسة الدولة الماكرة والمجرمة). ويضيف في مكان آخر من كتابه: (لم يكن الأرمن الشعب الوحيد بين الأمم التابعة لتركيا عانت من نتائج سياسة جعل تركيا بلداً للأتراك حصراً). فهناك اليونان والآشوريين من السريان والنساطرة والكلدان أيضاً فالقصة ذاتها تطبق عليهم مع بعض التعديل. أن تركيا ستبقى مسؤولة عن كل تلك الجرائم أمام الحضارة الإنسانية).

عندما يتأمل الزائر الكنائس والأديرة الآشورية في بلاد ما بين النهرين مثل دير مار أود يشو في أعالي جبال أشور ودير مار كبرئيل في أعالي جبال طور عابدين و دير مار متى في أعلى قمة جبل مقلوب قرب نينوى (الموصل) الذي يضم رفات العديد من القديسين منها رفات العلامة (أبن العبري) الذي سامه البطريرك أغناطيوس الثالث مفرياناً على بلاد مابين النهرين والعراق، بعد أن هرب من اضطهاد التتر والمغول في القرن الثالث عشر ميلادي كما هرب من قبله القديس مار متى من الاضطهاد الروماني في القرن الرابع الميلادي. هذه الأديرة وغيرها من الأوابد التاريخية الآشورية تكشف للزائر حجم المأساة الآشورية وتشرح له وهي صامتة عن رحلة العذاب والموت الطويلة التي أجبر الآشوريين عليها عبر تاريخهم الطويل. فقد ساهم في إقامة هذه الأديرة والكنائس الآشورية على أعالي الجبال الشاهقة كل من العقيدة (الإيمان المسيحي) والبيئة (الجغرافيا) والتاريخ (المآسي والمحن الجماعية التي حلت به)، فهي تلخص قصة عذاب وتاريخ شعب كامل. فلم يقيم الرهبان الآشوريين صومعاتهم ومعابدهم على قمم الجبال بدافع اليوتوبيا ليكونوا أكثر قرباً من الله، وإنما التجؤوا إلى الجبال خوفاً وهرباً من بطش الأعداء، حيث كانت الجبال وحدها الملاذ الآمن للآشوريين العزل. إن مسيرة العذاب ورحلة الآلام الطويلة للآشوريين التي بدأت مع سقوط نينوى عام 612 ق.م علمت الإنسان الآشوري المعاناة والعذاب في وقت مبكر وعلى التحدي ومجابهة المخاطر، وباتت العزلة والانطوائية من سمات حياته، وربما كانت عاملاً ساعدهم على الاحتفاظ بلغتهم القومية وبالكثير من عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية وخصائصهم القومية. إن الشعب الآشوري كما في كل مرة استطاع تجاوز محنته وهول الكارثة الإنسانية التي تعرض لها، وتمكن من لملمة جراحه والنهوض بذاته من جديد. خاصةً في سوريا حيث نعم بالأمن والاستقرار منذ استقلالها واستطاع خلال سنوات قليلة من إنعاش الجزيرة السورية من خلال نشاطه الزراعي والتجاري، وحركة العمران التي بدأ بها في معظم مدن وبلدان وقرى الجزيرة، وإقامة المؤسسات الاجتماعية والتربوية والثقافية والرياضية وفتح المدارس الخاصة بكنائسه لتعايم أبنائه. واليوم يعتبر مستوى التحصيل العلمي والثقافي للشعب الآشوري في الجزيرة متميزاً عن باقي فئات المجتمع. والثقافة السريانية من لغة وآداب التي صمدت كثيراً في وجه وهمجية الغزاة، هي اليوم في مرحلة نهوض وانبعاث جديدة بالرغم مما أصابها من ضعف وانحسار بسبب عهود طويلة من الانحطاط التي فرضت على الشعب الآشوري.

رغم كثرة الأحداث المأساوية والمذابح والاضطهادات التي تعرض لها السريان الآشوريين عبر القرون الأخيرة فإن القليل منها يمكن توثيقه ونشره، بسبب الضعف العام الذي عم حياة هذا الشعب، وانشغاله الدائم لإيجاد سبل النجاة وتوفير لقمة العيش. فالشعب الآشوري الذي كان ضحية الحملات الدموية وصلت به الحال حداً تراجعت عنده الكثير من الأولويات في حياته، فشاعت الأمية لدرجة كادت مسألة التوثيق وكتابة التاريخ لا تجد من يقدم لها العناية اللازمة، لا سيما بعد المذابح المروعة التي اقترفها تيمورلنك في نهاية القرن الرابع عشر. وأن القليل الذي تم توثيقه هو ما نال اهتمام رجال الدين ورهبان الأديرة، يكاد لا يذكر وهو يفتقر إلى التحليل السياسي للأحداث في سياقها التاريخي الصحيح، والذي انحصر بمعظمه على شهداء الكنيسة والقديسين مثل كتاب (شهداء المشرق) الذي طبع في الموصل في دير الآباء الدومينيكان سنة 1906.

لقد ظلت مأساة الشعب الآشوري على فظاعتها وأحداثها المروعة لعقود طويلة طي النسيان والكتمان ووضعت على الرفوف المهملة البعيدة عن الاهتمام الواجب لكشف الحقيقة وبيان حجم المأساة التي تعرض لها الشعب الآشوري الأعزل.

لقد مضى أكثر من سبعة وثمانون عاماً على المذبحة الكبرى. أكبر مذبحة في التاريخ البشري الحديث وما زالت تركيا تتشبث بعصبيتها وعنجهيتها وعقليتها الشوفينية التي خططت ونفذت المذابح بحق المسيحيين، وما قضية القس يوسف أكبولوت عام 2001 وإحالته لمحكمة أمن الدولة التركية لمجرد تصريح مقتضب أدلى به إلى إحدى الصحف التركية عن حقيقة المذابح التي ارتكبتها تركيا بحق السريان عام 1915 إلا دليلاً يؤكد استمرار تركيا في موقفها الشوفيني المتعصب والرافض للاعتراف بهذه المذابح وخشيتها من فتح ملف هذه القضية. فهي ترفض لتاريخه الاعتراف بتلك المذابح التي اقترفتها. وعدم اعترافها هذا ليس لقناعتها بعدم حصول المذابح وإنما تهرباً مما قد يترتب عليها من مسؤوليات أمام المجتمع الدولي واتجاه كل الأرمن والآشوريين وبقية الشعوب التي نفذت بحقها المذابح. ومن ثم تفتح باب الحوار مع هذه الشعوب لإيجاد الحل لمشاكلها مع تركيا. لكننا على يقين أن تركيا لن تقدم على مثل هذه الخطوة من تلقاء ذاتها وعلينا ألا ننتظر منها ذلك، فهذا يحتاج إلى جهد دبلوماسي كبير عبر مختلف الأقنية الدبلوماسية والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب للضغط على تركيا بهذا الاتجاه. هذا وقد جاهدت القوى السياسية والفعاليات الثقافية والاجتماعية الأرمنية في أوربا وأميركا وقطعت أشواطاً كبيرة في هذا الاتجاه. فقد أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية في جلستها عام 2000 بمسؤولية تركيا عن المذابح. وهذا كان إنجازاً هاماً ومكسباً كبيراً حققه الأرمن لقضيتهم في تركيا.

ومنذ سنوات بدأ الآشوريون بمختلف فعالياتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية تحريك قضية مذابح عام 1915 في تركيا على الساحة الدولية وعرض ملف هذه القضية على المنظمات والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والشعوب والبرلمانات الأوربية. ففي السويد تم مناقشة قضية مذابح (السريان) الآشوريين في تركيا في أكثر من جلسة، كانت أخرها في آذار 2002 ونسبة المؤيدين هي في ازدياد مستمر. ونحن متفائلون بأن تحظى هذه القضية باهتمام أكثر وتأييد أكبر في أوربا والعالم، وخاصةً بعد ازدياد الاهتمام الدولي بقضايا الشعوب المظلومة والجرائم الإنسانية التي اقترفت بحقها. وتم تأسيس العديد من المحاكم الدولية لأجل هذا الغرض. ما من شك أن هذا يحتاج إلى المزيد من الجهود والعمل المنظم والجماعي والمدروس من قبل الفعاليات الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية والسريانية والآشورية وفي مقدمتهم رجال القانون الدولي الآشوريين على الساحة الدولية.

المراجع:
-القضية الأرمنية والقانون الدولي. شاوارش طوريكيان.
- الآشوريون بعد سقوط نينوى- المجلد السادس- مذابح بدر خان بك. للباحث: هرمز أبونا.
- قتل أمة: هنري مورغنطاو السفير الأمريكي في تركيا ما بين 1913 و1919

 

 
 
 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 


 
Home