إقرأ في المحطة

 

الفرد و التشيؤ، أزمة المجتمعات المعاصرة


فواد الكنجي 2018/06/17

تشيؤ الفرد وانفصامهعن ذاته الإنسانية وقيمها؛ آت نتيجة ما أفرزته قيم الصناعة الحديثة التي هيمنت علىآلياتها الطبقة الرأسمالية ونظامها؛ فمعِيشتهُ تحت هذه آلية؛ حولته إلى شيء منألأشياء المادية؛ سلبت منه مشاعره وأحاسيسه وإنسانيته ليصبح جزء ميكانيكيا من آلةالصناعة ليس إلا، لأنه يعيش وسط مجتمع طبقي رأسمالي بيروقراطي استغلالي بامتياز؛وهذه الطبقة عملت على تجريد (الفرد) من محتواه الإنساني؛ الأمر الذي أدي بكل ما يملكهمن القيم والمبادئ ألأخلاقية أن تضمر في ذاته تدريجيا؛ فيفقد صلته بمحيطه الاجتماعي- الإنساني ويبتعد عنها بقدر ما يقترب ويرتبط بمحيطه الصناعي - المادي، ليصبح جزءاميكانيكا فيها فيتشيؤ فيها. وهذا الابتعاد افقد (الفرد) قدرته على تحكم بمصير حياته، فبقدر ما يتشيء؛يغترب عن ذاته وعن المجتمع، لان كل أفعاله تصدر عنه وهو لا يعي بأنه مسؤول عنها؛ لأنهيكون ضمن وسائل الإنتاج موجها وفق أنشطة التي تمليها عليه الطبقة الرأسماليةالمهيمنة على قدراته، بل وعلى كل أنشطته، و التي تسعى استخراج منه أقصى إنتاج وفقمبالغ فائض القيمة لمصالحها الخاصة و ضمن نطاق المنافسة بين الصناعيين في عملياتالتجارية بحته لتكون أنشطة (الفرد) أداة من دواتها، لان الرأسمالية لا تكتفي فحسببالاستيلاء على عقل الفرد بل عملت بكل ما يتيح لها من قوة وإمكانية للسيطرةوالاستيلاء والهيمنة على الإعمال اليدوية للمهن الحرة واحتكار إنتاجهم؛ بما ضمنها الإعمالالفنية للفنانين والمهندسين والمصممين.. و...الخ، من اجل جذب المستهلك لشراء هذه السلعالمحتكرة من قبلها والتي ضمنت لنفسها بعدم وجود منافس لها الأمر الذي يؤدي إلى أقص إرباح لهم؛ وبالتاليفان النظام الرأسمالي هو من يشيؤ كل شيء مقابل اجر في ادني سعر من اجل أقصى عائدمالي لرأس المال الذي استثمر في كل مجالات من مجالات الصناعة التي تحتكر كل صناعةمن صناعات المهن الحرة وتشتري إنتاجها - إن لم تحتكر ملكيتها - بأدنى الأسعار، وهذاهو احد جوانب الاستغلال الذي يشيئ (الفرد) في عملية الإنتاج والتي تجعله مختزلا بأدواتالعمل، والذي يفقد فيه إنسانيته وإبداعياته بمرور الوقت، لان جوهر الإنسان تكمن فيطبيعته الحرة حين يكون الإنسان في ظروف وجوده التاريخي حر ومعطي بكامل إرادته، فرضهاهو لنفسه نتيجة إدراكه وعقله ومخيلته وإبداعه؛ وليس لمتطلبات فرضت عليه من الآخرين،لذلك فإن (التشيؤ) يعني عدم الشعور بقيمة الذات، بمعنى أخر، انعدام المعنى الإبداعفي حياة الإنسان، نتيجة لاستلاب عيشه دون فرصة لتحقيق الذات و دون إتاحة الفرصة لترتقي الذات من حالة الجهل إلى المعرفة، معرفةالذات ومعرفة العالم وما يدور حوله.

فـ(الفرد) حين يوجه ويجند كل جهوده وأفكاره نحوالحرفية الصناعية وإنتاجها؛ وبنتيجة الأمر فان تدريجيا تتحول كل قيم المجتمع إلىأشياء بذاتها؛ فان لا محال ستؤدي بهذا (الفرد) ألذي هو جزء من المجتمع إلىالانعزال؛ لان (تشيؤه) سيجعله يتقوقع في دائرة (الاغتراب) الذي إذ تعمق ترسيخه فيذات الفرد، والتي - وبمرور الوقت - ستتحول إلى عادات، لا يمكن بأي حال من الأحوالتجاوزها؛ الأمر الذي سيجعله غير قادر على التأقلم مع محيطه ومجتمعه، لان (تشيؤه) سيوسع بينه وبين مجتمعة مسافة وفجوة كبير؛ هو هذا الابتعاد بين الفردوالمجتمع والذي سيخلق نوع جديد من (الاغتراب) بعدم تقبل أي منهما أفكار الأخر؛ بعدإن تكون العلاقات الاجتماعية بين إفراد المجتمع قد حجمت وتحولت إلى أشبه ما تكون بعلاقاتالأشياء بالأشياء بلا مشاعر وإحساس؛ لتصبح العلاقات بين الإفراد في المحصلةالأخيرة مجرد (علاقات آلية) بليدة ومتحجرة ومجردة من العلاقات الإنسانية؛ بقدر ماتكون هذه العلاقات قائمة على مبدأ المنفعة في قيمة التبادل السلع أو الأشياء، وهوما يقود هذا الفرد المتشيئ بـ(الاغتراب) عن تاريخه ومجتمعة باعتبارهما أشياء غريبةعنه لا صلة له بها وكل ما يحدث حوله أو له لا يكترث بها ولا يبدي أية فاعليةباتجاهها، لان تشيؤه بمرور الوقت - لامحال - ستمحى ملامح شخصيته؛ بعد إن يكون قد فقد إحساس بمحيطه؛ ولم يعد ما يملك منأمره شيئا؛ لان وجوده المتشيئ حوله إلى رقم حسابي والى ترشيد أداتي في كافة مجالاتالحياة.

وبحكم هذا (التشيؤ)الذي يسير (الفرد) فيه وباتجاهه على طول مسيرة حياته تحت هيمنة الأنظمة الرأسماليةيجعله فرد ذو كفاءة في اختزال نماذج بسيطة بشكل غير عادي في مجال الصناعة والإنتاج،ولكن اغترابه عن مجتمعه بسبب (تشيؤه) يجعله غير قادر في التعامل مع تركيبة الإفراد فيمحيط مجتمعه ويفشل الاندماج معه، والفرد المتشيئ بهذا الشكل؛ جعل منه فردا ذو بعدواحد؛ أي انه لا يعي ولا يدرك إلا بحدود ما هو عليه وما يمارسه فحسب، وهذا التعميمفي المجتمع له تداعيت خطيرة جدا لأنه يحكم على الحضارة الإنسانية بالموت والدمار؛بعد إن تكون المادة و قوى الإنتاج قد أخذتمأخذها منه لتحوله إلى فرد ليس له قيمة، لان النظم الرأسمالية تتوجه نحو الصناعةوالتكنولوجيا التي جل تفكيرها يرتكز على مقومات التنمية الاداتية والتقنية على الآلة؛لدرجة التي ترتقي هذه الآلة بقدر ما تعطى لها أهمية - على حساب الفرد؛ وهذا ماجعل الفرد يغترب رويدا- رويدا عن مجتمعه ومن ثم عن ذاته؛ بعد إن يجد نفسه مجردمفصل من مفاصل الآلة أو شيء من أشيائها وإنها تأخذ جل أوقاته، وبتعميق هذا التركيزفي ذات (الفرد) فانه يصبح خاضعا لقوانين هذه الآلة التي تشيئته وتحوله إلى مجرد سلعةأو آلة مجردة؛ وهذه الصنمية لهذا (الفرد المتشيئ) هي تركيبة المجتمعات الرأسماليةوالتي تُقيم على قياساتها الفرد في المجتمع؛ فبقدر ما يعمل وبقدر ما يملك منالأشياء المادية يكون تقيمه، بغض النظر عن سلوكه وتصرفاته ومؤهلاته العلمية أوالإبداعية، فالقيمة والمكانة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي تكمن بما يملك وينتجهذا الفرد من السلع ووفق هذه السلع تداور قيمته بين قيمة الشراء والبيع، ليصبح (الفرد)في ظل هذه المعادلة مجرد موضوع لتيسير ميول تكنولوجية وصناعية واقتصادية علىالسواء، و وفق هذا النمط، فان النظم الرأسمالية تحدد سلوك (الفرد) ضمن مصالحاجتماعية تحددها العلاقات خاصة ضمن أيطار المنفعة والمقايضة والتي تساهم مساهمةفعلية في (تشيؤ الفرد)؛ والذي يرى متعته فيها ضمن علاقات الأشياء المصنوعة والذيينتابه حب التملك لهذه الأشياء والتي يرى فيها نشوة في التشبث بها لامتلاكها - حتىوان كانت فائضة عن حاجته - وهذه النشوة يراها اقوي وانفع من إقامة علاقات اجتماعيةسليمة على مبدأ الحب والصدق والوفاء والجيرة الحسنه بين إفراد مجتمعه، وهذا مايقود هذا (الفرد المتشيئ) إلى البحث على الدوام لسلع جديدة، وان حب التملك هو الذييجعله على الدوام يفكر باقتناء المزيد والتي يرى في هذه الأشياء قيمته الذاتيةالضائعة في هذه الأشياء؛ وهذا النمط من (الإفراد) هو اليوم سائد في المجتمعاتالرأسمالية وخاصة في مجتمعاتنا المعاصرة؛ وهذاالنمط من الإفراد هو إنتاج أفرزته الطبقة الرأسمالية والتي تجد في هذا السلوك منالتصرف الإفراد حافزا لمزيد من الاستثمار في مجال الصناعة وتطوير التكنولوجيالابتكار كل ما هو جديد لجذب هذا (الفرد)، بعد إن تيقنت الطبقة الرأسمالية بان جلتفكير الفرد وهمه قد أصبح هو الحصول والاقتناء ما هو جديد من لبضائع التي تنزل الأسواق.

وهكذا فان النظم الرأسمالية تركز في مناهجهاالسياسية على الصناعة المرافقة لتطور التكنولوجي دون البحث في ميادين المعرفة ونشرالوعي والثقافي في مناهجها التربوية؛ لان بتفكيرها وإستراتيجيتها للهيمنة علىمقدرات مجتمعاتها وشعوبها؛ تعتبر الغوص فيميادين الثقافة والوعي أمور مضيعة للوقت إن لم تكن خطرا يهدد مصالحها، ولهذا فان إدارات الرأسمالية تسعى بكل ما هو يشيئالفرد والمجتمع؛ وفعلا هذا ما نراه اليوم في نمط الحياة السائدة في المجتمعاتالرأسمالية بعد إن استطاعت الإدارة الرأسمالية تشيؤ المجتمع برمته، فبدل تركيزها علىمؤسسات التربية والثقافة والعلوم الإنسانية ركزت على بناء مؤسسات لعلومالتكنولوجيا الصناعية مع بناء مؤوسسات (أمنية) الداعمة لها؛ وأعطت لها إصلاحاتواسعة لاستخدام أبشع أساليب القمع لأي مخالفة لردع الإفراد و بما يجعلهم يفكروا إلفمره إن أشهروا اعتراضهم على نظم السائدة داخل المصنع أو خارجها؛ لتكون (قوة الأمن)هي السلطة الأعلى لحماية مكتسباتها آلة الصناعية والتكنولوجية وتماثل المواطنين فيهذه التشيء؛ بعد إن حول النظام الرأسمالي الإفراد في المجتمع مجرد أرقام ومعادلاتوبيانات حسابية ليس إلا، لان مجتمع برمته أصبححسب وجهة نظرها محض أشياء ليتم في مجتمعات الرأسمالية (استبدال العقل المفكر إلىعقل مستهلك) وهذه هي كارثة هذه المجتمعات؛ حين يصبح (الفرد) له هدف واحد ويتجه كلتفكيره إلية ويكون شغل شاغله وهو اقتناء ما هو جديد حتى وان كان لا يحتاجه أو لايستهلكه و زائد عن حاجه؛ ويأتي ذلك لمجرد إشباع رغبة زائفة ونشوة مزيفه يقنع نفسهبها؛ لكون اقتناء هذه البضاعة الجديدة هو تعرف عن نفسه المتوارية في ظل تشيئه،لكون (تشيؤ الفرد)؛ جعلت منه فردا مستهلكا ورغبة في هذا الاتجاه اللامتناهي فيالاستهلاك. ولكن مهما حاولت الرأسمالية في تمادي من تشيؤ الفرد والمجتمع وفق مصالحهاواستراتيجياتها والتي تفرض هيمنتها وقوتها بتوسيع دائرة الرقابة الأمنية على سلوكالإفراد، فان في نهاية المطاف - لا محال - ستفشل، لان قيم الإنسانية والذخيرةالثقافية والوعي التي ساهمت مساهمة فعلية في نهضة الشعوب وتحررها من الطغيان، علىمر التاريخ، وعلى كل أساليب القمع و الطغيان والاستغلال والعبودية وكانت ثوراتهممدخلا لقيام ثورات اجتماعية من اجل الاحتفاظ بقيمة الإنسان كانسان وتحرره منالعبودية؛ وهذا ما يجعل (الفرد) في ظل الرأسمالية يعاني (أزمة أخلاق عميقة) بكونقيمته تضمحل يوما بعد الأخر وانه يشعر بالضياع والاغتراب عن ذاته، بعد إن فقدقيمته الإنسانية كانسان، وفقد هويته وأصبح متشيئ فاني، ولكن لا محال في نهايةالمطاف سيفكر مع كل آلة التشيء المدمرة لذات الإنسان التي غرزت الرأسمالية مفاصلهافي مجتمعاتنا المعاصرة، في التحرر وسيتحرر لا محال، وستنهار الرأسمالية أينما كانتومهما كانت قوتها وتسلطها بثورة اجتماعية تحررية ضد كل شكل من إشكال الاستغلالالطبقي للرأسمالية المتوحشة والعبودية، لتعيد للإنسان مكانته الإنسانية في الحضارة.


 

جميع الحقوق محفوظة لموقع المحطة  Copyright   All Rights Reserved - Almahatta.net

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

 

Home   الصفحة الرئيسية