قصص قصيرة

 

 الزبّال



2011/07/28

جلسنا سوية نرشف قهوتنا العربية الخالصة فمع وجودي هنا في المانيا منذ عشرين عاما وعندما يأتيني من تربطني به تطلعات ادبية وثقافية اصرّ على تذوّقنا القهوة العربية فتقوم زوجتي مشكورة بتجهيزها حسب الطريقة المتّبعة في بيتنا ابا عن جد . نعم جلسنا نتسامر عن الأدب والأدباء وقد سافرنا في عربة العمر مشوارا ليس بالقصير فكلانا تخطّى الستين ... سألته اين انت من مرتبة الكاتب وفي اية خانة تصنّف قلمك ؟؟؟ اجابني
في طفولتي عزيزي وفي بلدتي القامشلي وعند حرب 56 طلينا زجاج شبابيكنا باللون الأزرق حتى لا يظهر الضوء الى الخارج فقد كنا نبعد آلاف الكيلومترات عن جبهة مصر ولكن الأحتراز العربي املى علينا ان نأخذ الحيطة ولا نترك للعدو الصهيوني آنذاك ان يتسلل من اية فجوة خاطئة في التكتيك العربي .
ظل هذا الزجاج سنوات طويلة حتى كبرنا وهو باللون الأزرق نكتب عليه امنياتنا ... ولما كبرت أشارت لي جدتي عن امنية ان اكتبها وسألتني أكتب ماذا تريد ان تصير عندما تكبر ..... كتبت زبّال
وبعد الكبر وبعد سفرة العمر الطويلة .... وبعد الألم من هو الزبّال ؟؟؟؟؟ الذي يمسك بالمقشّة وينظّف الشارع من كل ما يفسد جماله وبهجته وهو مكلّف بهذا العمل من أجل نظافة الشارع وبالتالي يخرج المواطن الى عمله في الصباح ويرى كلّ شيء جميلا .
صحيح ان الأوساخ لا يستطيع امرء ان يجمعها كلّها ولكن أصحاب القلم يجب ان يتابعوا ذلك ... فالكاتب هو نفس الوظيفة .
وفي لحظة اكتشفت انني هو ... ولكن يا عزيزي هو ناجح ... وانا فاشل
الزبّال الأمين وصاحب الضمير الحي يمكنه ان يخلّص الشارع مما يفسده
ونظرت الى نفسي والى ما اكتب واين هو من فعل هذا الزبّال .... وانا هو هذا الزبال ولكن لم ننجح في كل هذه الأعوام ويلزمنا الكثير والكثير الى ان نصل الى درجة قريبة من ....... الزبّال
نظرنا الى بعضنا البعض واكواب القهوة فارغة في ايدينا تنتظر من يجمعها ..... هذه هي حكايتنا ايها الزبالين .

حنا خوري

 

امطري علينا شيئاً يا سماء!


2008/10/28

خرجَ من منـزله ممتعضاً من صدى الأخبار المسمومة .. تمتمَ مُتسائلاً: لماذا اندلعَتْ هناك كلّ تلكَ النيران المجنونة؟! .. قادته قدماه بعيداً عن ضجيج المدائن .. أشتعلَ في قلبه الحزن .. ارتقى طريقاً ترابيّاً وأسرع في خطاه .. لمح فراشةً ملوَّنة بألوان الفرح، تركضُ خلفها فتاة في عمرِ الزهور.. همسَ للأشجار:
آهٍ .. لو عشنا براءة الأطفال! .. ثمَّ وجّه أنظاره نحو قبّة السماء مناجياً آلهة النار:
لماذا تنهجُ رؤى بعض البشر منهجَ توجيه البشر نحو هاوية الجحيم؟!.. كانت أشجار النخيل واقفةً بشموخ تسمع همساته الحزينة .. الهواء كان نديّاً ومنعشاً .. تناهى إلى مسمعيه خرير المياه الصاعد من عمقِ الوادي .. شعر بغربةٍ داخليّة تهيمنُ على كيانه وراوده أنَّ هذه الغربة كانت حُبلى بأمِّهِ فولدَتْ هاجساً مسربلاً بالقهرِ ومقمَّطاً بأنينِ الحياة! .. ( آهٍ .. يا غربة الإنسان مع أخيه الإنسان ) .. وكفيلمٍ سينمائيّ بدأَ يستعرضُ طفولته المقهورة، شبابه المتوهِّج برحيق الكلمة .. وكهولته المهدورة بالمعاركِ السوداء .. آهٍ .. يا أيَّتها المعارك الظالمة! .. القلق كان يغلِّفه من رأسه حتّى أخمصَ قدميهِ .. كان يفكِّرُ بالأطفالِ والشباب والأشجار المترنِّحةِ والأمَّهات الناحبات والكهول والشيوخ الّذين ترقرقَتْ عيونهم بالدموع .. وآهٍ يا دموع! ..
آلاف الأسئلة تغلي في كيانه الحزين .. هذا الكيان الّذي تجذّرَتْ فيه الآهات .. آهات ملايين البشر الّذين ينتظرون الموت .. آهٍ .. أيَّتها الأسئلة الحارقة الملتصقة في سماوات الروح! .. تتراءى أمامهُ جماجم أصدقائه مهشَّمة ومخضَّبة بالدماء، شعر بقُشَعْريرة حارقة تسري في مسامات جلده. أغمضَ عينيه بيديهِ وحاول أن ينحّي جماجمَ أصدقائه المعفَّرة بالتراب من مخيَّلتهِ، لكنَّه عبثاً لم يستطِعْ، ظلّتْ عالقة في أعماق الذاكرة. كم كان غائصاً بالهموم والإنكسارات! .. تلاشَتْ الأهداف من أمامَه وتحوَّلَت أجملَ الأشياء إلى سراب .. وبدأَتْ رؤاهُ تتأرّجحُ ما بينَ هواجس الخوف من موت الأطفال على قارعة الطرقات، وبين الزنزانات الظالمة الوسيعة الّتي كانت تحكمُ الخناق على رقابِ الملايين من كافّة الجهات! وآهٍ .. ياجهات! وآهٍ .. ياسماء .. أمطري علينا شيئاً يا سماء!
وبينما كانَ سائراً خلال الحقول تعثَّرَتْ خطاه وارتطمَ رأسه بجذعِ شجرة باسقة، فتطايرَت من فمه شرارات من الغضب .. تمتمَ:
اللعنةُ عليكِ أيَّتها الهزائم والإنتصارات .. ثمَّ ردَّدَ بصوتٍ عالٍ: الانتصارات هي وجه من وجوه الهزائم .. والهزائم هي مزيدٌ من الغنائم على حساب رقابِ القوم! .. ( آهٍ .. وألفُ آه ) .. ما جدوى الانتصارات إذا كانت تحملُ بين طيَّاتها هزائمُ بشرٍ آخرين؟ .. الانتصارات على هذا النحو هي إحدى هزائم القرن العشرين .. انّه التطوُّر العقيم .. ( حالة انتقال من واحة خضراء إلى بيداء مكثَّفة بالقحط البشريّ ) .. ما هذا التراجع البغيض الّذي تراه يكتنفُ انساننا اليوم؟!
تابعَ سيره متثاقلاً في خطاه .. ثمّ أرخى جسده المثقل بالكوابيس .. الكوابيس الّتي ولّدتها الحروب الطائشة الظالمة .. أرادَ أن يهربَ من هذا الجوِّ الخانق .. استلقى على ظهرهِ يسمعُ إلى الإيقاعات الّتي تنشدها الضفادع برتابةٍ موصولة .. بعض الضفادعِ كان نقيقها متقطِّعاً ومبحوحاً .. أفكاره متقلِّبة ومشتَّتة .. عيناه زائغتان تمتمَ باغتياظٍ لاعناً الإيديولوجيات القميئة لهؤلاءِ البشرِ الّذين يخطِّطون لموتِ الإنسان .. نهضَ رافعاً يديهِ للسماء قائلاً: أيَّتها الآلهة .. أَلا ترينَ كيف يقودُ بعضُ البشر أبناء جنسهم نحو براكين الهلاك؟ .. يُخيّلُ إليه أحياناً أنَّ الآلهة تغطُّ في سباتٍ عميق تاركةً البشر في مواسم الحصاد تحصدُ بعضها بعضاً .. وأحياناً أخرى ينتابه أنَّ الآلهة لها صبر أيّوب بل أكثر بكثير.
تراكمَتِ المرارات في سقفِ حلْقِهِ، وتصوّر أنّ حياة الإنسان أشبه ماتكون بقصّةٍ خرافيّة نسجها الجان تحت جنحِ الليل. وامتـزجَ في ظلّهِ هاجسِ القلق والخوف من تفاقمِ المستجدات الظالمة ثمَّ توغَّلَ الهاجسُ رويداً .. رويداً في قلبهِ إلى أن استوطنَ على مساحات روحهِ.
كم كان كئيباً ومغموماً .. بدَّدَت الطبيعة همومهُ قليلاً .. كان النسيمُ يداعبُ زقزقةَ العصافير .. أنظاره مشدودة نحوَ زرقة السماء .. وبينما كان غارقاً في أحزانهِ، مرَّ سربٌ من البلابلِ على مقربةٍ منه. شهق شهيقاً عميقاً، متمتِّعاً بالطيور المغرِّدة الّتي كانت تسبحُ بين أحضانِ النسيمِ. قطَعتْهُ من لذّةِ الاستمتاع (رشقة) قويّة من أحدِ البلداء .. وأخذَتِ البلابل تتهاوى على الأرضِ مهيضةُ الأجنحة، مفقوءة العيون، مهروسة اللحم، مخلخلة العظام .. وريشها الملوّن المتطاير يملأ حيّزاً كبيراً من المكان!
ساءَلَ نفسه بقلبٍ منكسر:
لماذا لا يتعلَّمُ الإنسان أغاني الفرح من تغريدِ البلابل وحفيف الأشجار؟ .. لماذا يغوصُ الإنسان في أفانين الحرب ويقضي أغلبَ أيّامه ولياليه لمعرفةِ كيفية تحطيم قلوب الأطفال وهم بين أحضانِ أمّهاتهم؟ .. لماذا يسحقُ بعضهم الزهور ويقتلُ بعضهم الآخر تغريدة الفرح وهي معلَّقة بينَ مناقيرِ الحمام؟
همسَ للريشِ المتطاير قائلاً:
واأسفاه! .. هذه المناهجُ البليدة تتفاقمُ يوماً بعد يوم. جفلَ فجأةً عندما رأى أرنباً برّياً يقفزُ قفزات مديدة وخلفه وحشٌ ضارٍ تقطرُ أنيابه موتاً بغيضاً .. تلمَّسَ خاصرتهُ متناولاً (عفريته) ووجَّهَ فوَّهتهُ نحو هذا الوحش الضاري فتحوَّلَ إلى كتلةٍ هامدة. نظرَ الأرنبُ المذعور خلفه فرأى غريمه مكوَّماً تحتَ شبحِ الموت!
صعدَ الأرنب المرتفعات الجبليّة ثمَّ بدأَ يهبطُ باتجاه الوادي. مبتعداً عن نيران المدائن .. كان ريش البلابل ما يزالُ يتطايرُ فوق أشجارِ النخيلِ يرفضُ الانحدار نحو هاويةِ الموت .. نهضَ يلملمُ أشلاء الطيور المعفّرة ليواريها التراب فوق قممِ الجبال .. وفيما كان على وشكِ الوصول إلى قمّةٍ شاهقة، سمعَ بعض الثعالب تتساءلُ فيما بينها:
لماذا لا نبني علاقة حسن جوار مع الطيور اللذيذة؟
كان محاصراً بالهموم.. فجأةً بدأَ يردِّدُ (انّي وجدتها .. انّي وجدتها) .. جاءته فكرة كومضة سريعة وشعرَ أنَّ هذه الفكرة كانت معلّقة بأذيال الغيوم واستطاع أن يلتقطها رغم كثافةِ الضباب.
وقفَ متأمِّلاً الأفق البعيد، مستعرضاً آخر استنتاجاته وتحليلاته حول الإنسان قائلاً:
بعد التجربة الدورانيّة الطويلة في الحياة، وبعدَ أن ازدادَت سحقاً جماجم الأطفال واليمام تحتَ رايات العفونة البشريّة، تبيَّنَ أن دارون أخفقَ في نظريّته عندما قالَ:\\\" انّ الإنسان كان أصلهُ قرداً، فتطوَّرَ ذلكَ القرد إلى أن وصل ما وصلَ إليه الإنسان بصورته الآدميّة الآن!\\\"
هكذا قال دارون، وأمّا هو فيقول العكس تماماً: حيث يعتبرُ أنَّ القرد كانَ أصله إنساناً قبل أن يكونَ قرداً .. وتطوَّر ذلكَ الإنسان عبر مراحل زمنيّة طويلة جدّاً إلى أن أصبح قرداً بهيئته الآدميّة الآن! .. وإلا فما هذهِ القرودُ البشريّة الّتي تزدادُ يوماً بعدَ يوم، وتتحكّمُ بشكلٍ غوغائي بمصير أغلب البشر المبعثرين على هذا الكوكب السابح بين أحضان السماء!
صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com
 

 

إنتحار حائط


شاء القدر أن يكون لذلك الحائط مكانا مرموقا في وسط المدينة لتتلو عليه قصائد الزمن الماضي وكان صوب أعين المتلهفين لما يــُكتب عليه من أشياء مفرحة كزيادة مفردات البطاقة التموينية وزيادة رواتب المتقاعدين .
لكن خطاب الحائط سرعان ما تحوّل إلى سجالات ما بين الكلا ... كلا ... نعم ... نعم... يعيش فلان ... يسقط علان ... سنعدم ... سنفجر ... سنقطع .... أخذ الحائط بالأهتزاز .
حتى جاءت طلقة الرحمة عليه ( سنعدمكم الخميس القادم ) .

ضياء الساعدي / منتدى الشطرة الأبداعي
Dihha_alsaadi@yahoo.com

 

مـن قصـص ملوك الفراعنة للأطفال
\"أمنمحـــــــــات الأول \"


بقلم جمال الدين سالم


عصر القصة ..الدولة الوسطى (عام 2160 ق.م- 1700 ق.م)

تقع فصول هذه القصة في عصر الدولة الوسطى، الذي يعتبر بحق من أهم العصور في تاريخ مصر القديم. إذ تم فيه إنقاذ البلاد من الفوضى التي كانت تعانيها إثر سقوط الأسرة السادسة (الدولة القديمة)، حينما ساد البلاد عصر مظلم استغرق حوالي 300 عام، ولا يعرف عنه سوى أن الحكم كان بين طائفة من الأمراء المحليين الضعفاء، الذي كانوا يتقاتلون فيما بينهم، حتى تمكن أحد أمراء طيبة ويدعى \"أنتف\" من قهر منافسيه، وصار سيدا للجزء الأعظم من مصر، وتلاه بعد ذلك خلفاء يسمون باسم \"أنتف\" أو باسم \"منتوحتب\"، وكونوا الأسرة الحادية عشرة، التي تعبر بداية الدولة الوسطى، وجاءت من بعدهم الأسرة الثانية عشرة (عام 3000 ق.م)، التي امتدت في عهدها حدود مصر إلى السودان، كما أقيمت بالبلاد بعض مشروعات الري العظيمة، وخصوصا في إقليم الفيوم.

وقد امتازت هذه الأسرة بقوة حكامها، وقدرتهم، وكفايتهم ، وبلغت البلاد في عهدهم حد الكمال في الإدارة، والأدب، والمستوى الرفيع في الفنون والصناعات، حتى أصبح هذا العصر يعرف بالعصر الذهبي في تاريخ مصر، ويحمل أشهر ملوك هذه الأسرة عادة اسم : (أمنمحات) أو (سنوسرت).

القائــــــــد أمنمحــــــــات
كان يحكم مصر منذ أكثر من أربعة آلاف سنة،ملك يدعى (منتوحتب الرابع)، وهو آخر ملوك الأسرة الحادية عشرة، وكانت عاصمة ملكه مدينة (واست)، وهي الأقصر الحالية، وكان على رأس جيشه قائد عظيم يدعى (أمنمحات) ولد في مدينة (نخن) من أم نوبية، ولكنه نشأ وترعرع في مدينة واست، حيث مارس تعليمه العسكري، ثم التحق بالجيش، وتدرج في مختلف الرتب حتى وصل إلى مركز القيادة العامة.

وكان هذا القائد محبوبا من الملك ، مقربا إلى قلبه، يعهد إليه بأهم شؤون الدولة، كما كان يستشيره في أدق أمورها، وقد أثارت هذه الثقة حفيظة بعض رجال الحاشية وقواد الجيش، وعلى رأسهم القائد (مس عنخ).

بعثــــــــــــة المحاجــــــــــــر
وكان الملك في تلك الأيام قد بلغ من الكبر عتيا، وأصبح يفكر في آخرته، فأمر بعمل تابوت حجري يليق بمكانته السامية، وسرعان ما قام العمال والصناع بتنفيذ ما أراد، ولكن التابوت كان ينقصه قطعة كبيرة من الحجر، ليصنع منها غطاؤه، ولكي يتم ذلك على وجه السرعة، أرسل الملك قائده (أمنمحات)على رأس بعثة يبلغ عددها عشرة آلاف رجل إلى محاجر وادي الحمامات، لإحضار تلك القطعة الحجرية، والعودة بها مسرعا، ولما طال انتظار الملك لعودة قائده (أمنمحات) عدة شهور ، تملكه القلق لغيبته، واستبد به الجزع لشعوره بدنو أجله.

وفي ذات يوم تحامل الملك على نفسه، وخرج إلى قاعة العرش يحيط به رجال الحاشية وبعض قواد الجيش،وما إن تجاذبوا أطراف الحديث، حتى قال أحدهم للملك إنه يحمل إليه بشرى عودة قائده (امنمحات) مظفرا، ومعه قطعة لا مثيل لها من الحجر الصلد الجميل، فسر الملك سرورا بالغا وقال:

أحضروه توا لمقابلتي، لأني في أشد الشوق إلى رؤيته وسماع قصته.

الوشايــــــــــــــــــــــــــــة
ولم يعجب هذا الحديث القائد (مس عنخ) الذي كان يكره (أمنمحات) ويحسده، فتقدم صوب الملك ووجه إليه الحديث قائلا:

إنني كنت أعلم يا مولاي أنه سيحضر على عجل، وهو يعلم بمرض جلالتكم، وليس هناك غيره من يستطيع الاستفادة من جميع الفرص.

فنظر إليه الملك في دهشة، وقال له:

ماذا تقصد بتلميحات هذا يا (مس عنخ)؟

فرد عليه القائد قائلا: إنني في الحقيقة يا مولاي أكره (أمنمحات) هذا كرها شديدا ، لما يقوم به من مناورات ومؤامرات ضد عرشكم المفدي!

فقال له الملك غاضبا: وما دليلك على ذلك أيها القائد؟

فرد عليه قائلا: لقد سمعت أنه استغل عطف مولاي عليه، فأخذ يذيع في طول البلاد وعرضها بأنه من أصل ملكي، مع أنه ابن تلك الجارية النوبية.ثم أخذ بعد ذلك يتحبب إلى الشعب، ويتقرب من رجال الجيش ، ويظهر سخطه علانية على سوء الحالة في البلاد، ويبشر الناس بشروق فجر جديد تتحقق معه الآمال.

فقال له الملك شاردا: وماذا تستنتج من كل هذا يا (مس عنخ)؟

فرد عليه مسرعا: إنه ولا وشك يمهد لنفسه ولاية الملك من بعدكم يا مولاي، خاصة وهو يعلم أنه ليس لجلالتكم وريث للعرش، ثم هو على حد قوله من سلالة الفراعنة القدماء، أضف إلى ذلك أنه أكبر قائد في الجيش، وتحت إمرته الجزء الأكبر من جنده، فضلا عن حب الشعب له، ولقد بلغت الجرأة بأمنمحات هذا يا مولاي، أنه أخذ ينقش اسمه وألقابه بجوار اسمكم الملكي، على أحجار المحاجر في وادي الحمامات وغيره، كما أخذ يتحدث عن نفسه في تلك النقوش بأكثر مما يتحدث عن جلالتكم.

نبــــــــوءة نفــــــــر رهــــــــو
وتابع القائد حديثه قائلا: هذا وقد أخذ أعوانه يا مولاي ينشرون في طول البلاد وعرضها، تلك النبوءة القديمة المنسوبة إلى أحد حكماء الدولة القديمة المدعو (نفر رهو)ويؤكدون للناس أن أمنمحات هو المقصود بها، ومن أسف يا مولاي أن كثيرا من الناس أخذوا يصدقون حديثه، بل اقتنع الكثير منهم بما رواه أعوانه عن هذه النبوءة.

فدهش الملك وقال : ولكنك لم تخبرني عن أصل هذه النبوءة يا (مس عنخ) فرد عليه القائد قائلا: روى أن الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة بالدولة القديمة، كان متضايقا في إحدى الليالي، فأرسل في استدعاء موظفي قصره ورجال حاشيته، وقال لهم: (لقد أحضرتكم لتجدوا لي من بين أبنائكم ابنا يجيد الفهم، أو أخا يحسن الحديث، حتى أجد فيما يقول ترويحا لنفسي مما ألم بها من ضيق وهم، وحتى يكون لي نعم السمير الأنيس.

وما إن فرغ من حديثه حتى انبطح الجميع على بطونهم في طاعة وخشوع، وقال أحدهم :يوجد يا مولاي مرتل عظيم للآلهة (باست)، اسمه (نفر رهو) وهو إلى جانب إتقانه لفن الحديث، قوى الساعد، كاتب حاذق الأنامل.

فقال الملك : (اذهبوا وأتوني به سريعا).

فقام رجال الحاشية وأحضروا الكاهن مسرعين وأدخلوه فورا على الملك، الذي رحب به قائلا:

(لقد سمعت عنك كلاما عطرا طيبا، وإني مشوق لسماع حديثك الجزل، الذي أراني إليه ليشيع في قلبي المسرة

)فقال الكاهن (نفر رهو): هل تحب يا مولاي أن تكون كلماتي عن الأمور التي حدثت، أو عن التي سوف تحدث؟

فقال جلالته: إني أريدها عما سوف يحدث.

فقال له الحكيم : استمع إلى يا مولاي، فإنه سوف يحدث بعد عهدكم بأجيال طويلة، أن تحل الفوضى في البلاد، حتى يصير الابن عدوا لأبيه، والأخ خصما لأخيه، ثم يحل القحط بالبلاد، وعندها يظهر رجل من الجنوب اسمه أميني (تدليل أمنمحات)، وهو ابن لامرأة نوبية، فيستولي على مقاليد الحكم، ويوحد البلاد، وينشر في ربوعها الأمن والسلام، فيحبه المصريون، ويفرح به أهل زمانه.

وتابع القائد (مس عنخ) حديثه للملك قائلا: هذه هي النبوءة يا مولاي، ولعلك تستطيع أن ترى ماذا يقصد امنمحات من ترديدها.

ولم يستطع (مس عنخ) أن يكمل حديثه، إذ أعلن الحاجب فجأة عن دخول القائد أمنمحات، فسكنت الأصوات، وتعلقت الأنظار بباب القاعة، حيث دلف أمنمحات منتصب القامة ، مرفوع الرأس، ثم تقدم إلى حيث يجلس الملك بخطى عسكرية رتيبة، وحياه بكل أدب وخضوع، وعندئذ نسى الملك كل ما قاله مس عنخ، وطلب من أمنمحات أن يجلس بجانبه ليحدثه عن رحلته الأخيرة.

مغامــــرات أمنمحــــات
وهنا أخذ أمنمحات بقص عليه ما حدث، وما أصابه من توفيق، وكيف أنه تمكن من إحضار قطعة فريدة من الحجر الصلب، وكيف كاد أن يفشل في الحصول عليها، ولولا معجزة نزلت عليه من السماء ساعدته على قطع تلك القطعة الحجرية.

قال أمنمحات للملك: لقد كدت أيأس يا مولاي، إذ كانت صلابة الأحجار أقوى من معاول جندي وعمالي، فرفعت رأسي للسماء مستنجدا، فلم تخيب الآلهة رجائي

وإذا بغزالة لا أدري من أين أقبلت، رأيناها تتهادى نحونا، ثم تنظر إلينا، ثم تتركنا متجهة إلى صخرة كبيرة خالية من كل العيوب، فتقف عليها، وتضع فوقها وليدها فأسرع رجالي إليها فرحين ،وامسكوا بها وإذ بغزالة تتهادى نحونا...وذبحوها، ثم أحرقوها قربانا للآلهة، وفي الحال انشقت الصخرة بدون عناء، فأسرعنا إليها وأعملنا فيها معاولنا، وتمكن العمال من قطع الحجر الذي أعد ليكون غطاء لتابوتكم الملكي.

ثم واصل القائد حديثه قائلا : ولم تكن هذه يا مولاي هي المعجزة الوحيدة التي قابلتني، فلقد ظهرت لي أشكال الآلهة، تجلت شهرتي للناس، فانقلبت الصحراء إلى بحيرة، وجرى الماء حتى وصل إلى حافة الحجر.

كما عثرنا على بئر لم يرها أحد من قبل، ولذلك أمرت بذبح الماشية والماعز قربانا للآلهة ، وأحرقت البخور لرب المنطقة شكرا، وقد عدت سالما برجالي جميعا دون أن يمسهم سوء، ودون أن أفقد منهم رجلا واحدا، كما لم ينفق من دواب الحملة دابة واحدة.

واستحوذت هذه الأقصوصة على قلب الملك ، فنسي كل شيء آخر، وأمر بجائزة كبيرة للقائد أمنمحات ورجال بعثته، وانصرف القائد العظيم من حضرة الملك ، وهو ينظر ساخرا في ازدراء إلى رجال الحاشية الذين طاش سهمهم في وشايتهم، ورد كيدهم له وحقدهم عليه إلى نحورهم، بعد أن أيقنوا من حب الملك لقائده أمنمحات، وتقدير الشعب لأعماله العظيمة.

أمنمحـــات علـــى عـــرش مصـــر
لم تمض على تلك الأحداث بضعة أشهر، حتى لازم الملك (منتوحتب) الفراش، واشتد به المرض، وأصبح من المتوقع أن تنتهي حياته الحافلة بين آونة وأخرى. وفي فجر يوم من الأيام، بينما كان القائد (أمنمحات) نائما في فراشه، إذ به يستيقظ على طرق عنيف عاجل على باب قصره ، فنزل يستطلع الأمر، فإذا بأحد حجاب القصر الملكي ممن وضعهم في خدمة الملك لرقابة حاشيته، ينهى إليه نبأ وفاة الملك، ويهمس في أذنه:( لقد مات الملك في منتصف الليل، وقد حاول رجال الحاشية إخفاء النبأ عنكم حتى يدبروا أمرهم، فيضعوا على العرش أحد الأمراء الموالين لهم).

فانزعج أمنمحات، وارتدى ملابسه على عجل، وأسرع إلى ثكنات الجيش، وأمر بعض الفرق الموالية له باحتلال أهم مرافق العاصمة، ومحاصرة مشارفها، بينما أسرع هو بنفسه إلى راس شرذمة من أخلص جنده إلى القصر الملكي، حيث تسللوا إلى حديقته بعد أن اعتقلوا حراسه، فاقتحموا بابه، وقبضوا على رجال الحاشية .

وما إن أمسك أمنمحات بزمام الأمور ، حتى أعلن تنصيب نفسه حاكما على جميع البلاد المصرية باسم (سحتب إيب رع)، أي مدخل السرور على قلب رع، وما أن استتب له الحكم، حتى عقد العزم على أن يعيد للبلاد مجدها السالف، ويطهرها مما شاع بها من فساد ورشوة، وأن يقضي على الإقطاع والانتهازية التي عبثت بمقدرات الشعب ، وكان السبيل إلى تحقيق ذلك شاقا وعرا، ولكنه لم يأل جهدا أو يدخر وسعا، حتى استطاع بكفاحه ونضاله أن يكيد لأعدائه، ويحقق الأمن والسلام لشعبه، ويعيد لبلاده مجدها السالف التليد.

القضــــاء علــــى الإقطــــاع
لما استبد الحقد بنفوس أمراء الأقاليم لتسولي (أمنمحات ) عرش البلاد، جاهروا بعدائهم له، فأخذوا يناوئون نفوذه، ويعبئون شعور الشعب بكراهيته، ويبثون في صفوفه دعوى العصيان والتمرد، ولكن أمنمحات بنافذ رأيه وصائب حكمته، أخذ يسلك معهم مسلكا كيسا، فسالم من أعدائه المسالمين له حتى كسب صداقتهم بالهدايا والوعود، واخذ المتمردين منهم بالقسوة والشدة حتى محا سلطانهم واستبدلهم بحكام من أتباعه.

واستمر نضاله مع الأمراء يزداد مع الأيام، حتى تمكن من القضاء على نفوذهم، واستتبت له السلطة في البلاد طولا وعرضا، ثم اشرق في ربوعها فجر جديد من السلام، انعكس أثره على مرافق العمل في شتى مجالاته.

ولم ينس الملك أمنمحات في غمار صراعه هذا أن يزود نفسه بسلام الروح والدين، فاحتضن معبودا جديدا لم يكن معروفا من قبل في إقليم طيبة هو الإله آمون، الذي أصبح فيما بعد الإله الرسمي للحكومة، بعد أن عظم شانه عن غيره من الآلهة.

العاصمــــــــة الجديــــــــدة
بعد أن استقرت الأمور للملك أمنمحات، انتقل بعاصمة ملكه من الصعيد إلى رأس الدلتا، في ذلك المركز المتوسط بالقرب من (اللشت) جنوبي منف، حيث أنشأ مدينة جديدة سماها (إيثت تاوى)، أي ملتقى الأرضين، لأنه كان يريد أن يجعل البلاد جميعا في قبضة يده، يدير شؤونها من عاصمة ملكه الجديدة، التي حصنها وجعل بها مركز قيادة جيشه، كما شيد بها قصرا منيفا حليت جدرانه بالذهب، واتخذت أبوابه من النحاس، وأقفاله من الشبه.

زيــــارة غيــــر متوقعــــة
في أحد الأيام، بينما كان الملك أمنمحات جالسا في هذا القصر، إذ دخل عليه رجل عجوز رفض أن يعلن اسمه للحاجب، فلما اقترب منه، ودقق الملك النظر فيه، عرف للحال أنه عدوه القديم (مس عنخ).

وفرح الملك به رغم ما كان بينهما من عداوة وخصام، وقام إليه من فوره وضمه إلى صدره، ثم أجلسه بجانبه، ووجه إليه الحديث قائلا:

إيه ريح طيبة ساقتك إلينا أيها القائد العجوز، والصديق القديم؟

فرد عليه شاكرا وقال: إنما جئت أولا لأشكرك على تلك المعاملة الطيبة التي حبوتني بها طوال تلك السنوات الماضية ، ثم لأقدم لك اعتذاري عن سوء تقديري لشخصك المحبوب، ولأصرح على رؤوس الأشهاد بأنك قد أنقذت البلاد من الفوضى ، وأعدت إليها عزتها وكرامتها.

ثم تابع القائد العجوز حديثه قائلا: لقد قضيت يا مولاي على الإقطاع، ووضعت حدا للفوضى، ونظمت الحكومة، ونشرت الأمن والطمأنينة في البلاد، وشملت المزارعين بنظرتك، فكنت أول من فكر في استغلال واحة الفيوم في زيادة رقعة الأراضي الزراعية.

واستمر (مس عنخ) في حديثه قائلا: وقد اعتمدت يا مولاي على الجيش في تنفيذ مشروعاتك الحربية والسلمية، كما أوليته جانبا كبيرا من رعايتك واهتمامك، فزودته بخير ما تزود به الجيوش من عدة وعتاد، ولم ينسك كل هذا يا مولاي أن تقيم لنفسك ذلك الهرم العظيم بالقرب عن مدخل الفيوم (اللشت)، علما بأنه قد بني من الطوب المغطى بالحجارة.

ولم يكن نشاطك يا مولاي منحصرا داخل البلاد فحسب،بل وجهت اهتمامك لمنع هجرة الآسيويين، إلى مصر، فأرسلت القائد (نسومنتو) لمحاولة وقفهم وهنا قاطعه أمنمحات قائلا: لقد تلقيت الآن تقريرا حربيا من القائد نسومنتو يخبرني فيه بانتصاره على الأعداء ، ويقول فيه إنه قهر سكان الكهوف من الآسيويين ، وسكان الرمل، وخرب معاقل الدبو.

ففرح القائد العجوز، ووجه حديثه للملك ثانية فقال:

إن هذا من فضل ربك يا مولاي

فقال له الملك : هذا صحيح يا (مس عنخ)ولكنني رأيت زيادة في الحيطة أن ابني سورا عظيما على حدود الدلتا الشرقية، وأن أسميه حائط الأمير، وسأضع عليه الحراسة اللازمة لوقف اعتداءات هؤلاء البدو، أما عن سكان بلاد النوبة في الجنوب، فقد وطدت سلطاني عليهم، وأرسلت عدة حملات لإخضاعهم.

اشتراك الأمير سنوسرت في الحكم وهنا قال (مس عنخ) العجوز لأمنمحات الملك: إن كل هذا لمن جلائل الأعمال، ولكنك أصبحت مسنا مثلي، وتحتاج لبعض الراحة بعد تلك السنين الطويلة من العمل الشاق.

فرد عليه الملك قائلا: هذه الحقيقة لم تغرب عن بالي، ولذلك فكرت في أن أشرك معي في الحكم ابني الأكبر (سنوسرت)لأعده لتولي الملك من بعدي، لذلك عهدت به إلى بعض قوادي العسكريين لتدريبه على أحدث فنون القتال، فشب جنديا باسلا، كما تعهدته بنصائحي وإرشاداتي فأصبح حكيما رغم صغر سنه.

واستمر الملك في حديثه قائلا: ولقد أردت تدريب ابني سنوسرت على القيادة، فأرسلته منذ عدة شهور على رأس جيش كبير إلى الحدود الغربية، لتأديب اللولبيين الذين دأبوا على مهاجمة الحدود، وقد نجح في ذلك وأبلى في تلك الحرب بلاء حسنا.

وعندئذ استأذن (مس عنخ) في الانصراف، وهو يدعو للملك بطول العمر والبقاء.

المؤامرة
وقد انتهز بعض رجال القصر والحريم الملكي شيخوخة الملك، وطول غيبة ابنه (سنوسرت) عن البلاد ، تآمروا على قتل الملك، وتنصيب أحد أبنائه الأمراء من فرع آخر غير فرع (سنوسرت) على عرش البلاد، وعلى رأس المتآمرين أمير وراثي يدعى (سنوحى)، كان ملحقا بالجيش الذي يقوده (سنوسرت) نفسه.

ولما علم رئيس أمناء القصر مصادفة بسر هذه المؤامرة، أرسل إلى ولي العهد (سنوسرت) الذي كان يخلص الولاء له، رسولا ينقل إليه النبأ، ويوصيه بشرعة العودة ليحبط المؤامرة، لكن المتآمرين قاموا بتنفيذ ما دبروه قبل وصول ولي العهد، فتمكنوا من دخول حجرة نوم الملك الشيخ، وكادوا يفتكون به، لولا مسارعة الحرس لنجدته، وإلقاء القبض عليهم.

نصائح الملك امنمحات
وصل (سنوسرت) إلى القصر الملكي عقب فشل المؤامرة مباشرة، ودخل مسرعا إلي حجرة والده فوجده في شبه غيبوبة، ولكن ما كاد الملك يشعر بدخوله عليه حتى سر لمقدمه ، ثم أومأ إليه أن يقترب منه، وعندما اقترب الابن من أبيه ، أمسكه بيده، ووجه إليه نصحه الأخير في صوت هامس:

تشجع يا بني، واسمع ما سوف ألقيه إليك من نصائح هي ثمرة تجاربي الطويلة، لعلها تنفعك في مستقبل أيامك، وتجنبك الكثير من مخاطر الحياة: يا بني، احذر أتباعك ولا تقترب منهم على انفراد ، يا بني ، لا تثق بأخ لك، ولا تتخذ لنفسك صديقا عند الشدة، فساعدك القوي هو صديقك الوحيد، يا بني،عندما تكون نائما فكن الحارس الأمين لنفسك.

إليك أسوق الدليل من خلال تجربتي:لقد أعطيت الفقير، وأشبعت الجائع، وعلمت اليتيم، فكان جزائي أن أصبح من أكل خبزي هو الذي تآمر على قتلي، والذي مددت له يد المساعدة هو الذي حاول إيذائي، ومن وثقت بهم من رجال قصري هم الذين لوثوا أنفسهم بخيانتي والغدر بي.

وأخذ الملك الشيخ بأنفاس لاهثة وصوت هامس يواصل نصحه، فيقول:

لقد كان اليمن والتوفيق في ركابي منذ مولدي، ولم يحظ إنسان من قبلي بمثل ما صادفني، لقد كنت رجلا شجاعا مقدما، فقد اقتحمت الطريق إلى فنتين (أسوان) ، وتوغلت حتى مناقع الدلتا، وهزمت الأعداء بقوة ساعدي ومضاء عزيمتي، لقد عملت على زيادة المحاصيل الزراعية، وكنت محبوبا من الإله (نبر) رب الغلال، حتى عم الخير أنحاء البلاد،وأزال الرخاء بؤس الجائعين.

لقد جعلت الأعداء يسيرون كالكلاب بفضل قوتي، لقد وصلت إلى ما كنت أبغيه، لأنني أردت النجاح وسعيت إليه، فاحذ حذوى يا بني، واسلك مسلكي، واجعل من أعمالي وهمتي وقوة عزيمتي مشعلا ينير لك الطريق ، وإني لأدعو لك يا بني من قلبي النابض بحبك، أن تسدد الآلهة إلى الخير خطاك، وأن ترعاك بحمايتها، وتلحظك بعنايتها.

وما كاد الشيخ يصل إلى خاتمة دعائه، حتى فاضت روحه بين بكاء ابنه (سنوسرت) ونحيب رجال الحاشية المخلصين.

مات الملك، عاش الملك
وما إن سمع الشعب المتجمع خارج القصر بنبأ موت الملك، حتى عمه الحزن والأسى، وارتفع من بينه العويل والبكاء،في وفاء وولاء، حتى أطل عليهم (سنوسرت) من شرفة القصر، ودموع الألم تنساب من مقلتيه، وخاطب شعبه بصوت متهدج حزين، بينما ساد المكان صمت رهيب.

رثى الابن في تأثر بالغ والده الراحل، معددا مناقبه وعظيم أعماله، ثم وعد الشعب ممثلا فيمن حضر منه بأنه سيكون برضاء الشعب عليه، وتوفيق الآلهة له، خير خلف لخير سلف، بعد أن عقد العزم على المضي في نفس الطريق التي سلكها والده العظيم ، حتى يتم الرسالة ويصون الأمانة، وتتحقق للشعب سيادته ، وهنا علا هتاف الشعب في ألم وأمل :

 

 

}{ تلك الخطوات الخمس }{


استيقظت في حوالي السابعة صباحاً لأجلس في شرفة منزلنا الجديد وغايتي هي أن أبدد غيوم الإرهاق التي ماانفكت تلاحقني منذ فترة طويلة . فأغلقت عيناي لبرهة وأخذت نفساً عميقاً وأنا أمسك بإحدى الكتب القديمة, وما أن فتحتهما حتى استوقفتني روعة الحديقة الخضراء الواسعة التي يطل عليها المنزل , فبقيت أتابع امتداد الأشجار إلى أن وصلت إلى خط الأفق وأنا أحس بأني أضعت الكثير من الأيام في الماضي لأني لم أمتع نفسي بهكذا صفاء من قبل..
وبينما كنت أفتح الكتاب استرعى انتباهي سيدة وطفل صغير وامرأة مسنة تحمل بيدها عكازاً وجميعهم يقفون على الرصيف المقابل للحديقة وما هي إلا لحظات حتى بدؤوا سيرهم وأنا أراقب المرأة العجوز التي ما كانت تبدأ خمس خطوات حتى تتوقف قليلا لترتاح وتعاود بخمس خطوات جديدة ثم تتوقف , وأخذت تكرر ذلك إلى أن وصلت إلى منتصف الشارع.
وفجأة أخذت تلك السيدة تشد المرأة العجوز من يدها محاولة الإسراع بإبعادها عن السيارات التي كانت كأسود تعدو محاولة الانقضاض على الفرائس البريئة لكن العجوز لم تستطع حتى رفع رجلها. وبأعجوبة مرت السيارات دون أن يصاب أحد من الثلاثة بأي أذى , ورغم الخطوات المتثاقلة إلا أن الجميع وصلوا بسلام إلى رصيف الحديقة وتوقفوا بعد أن كاد قلبي أن يتوقف هو الآخر . لقد كان الرعب واضحاً عليهم والهلع قد استحوذهم , فوقفت السيدة والطفل جانباً , وجلست المرأة العجوز على طرف الرصيف وقد اقترب منهم رجل في متوسط العمر وبيده عصا أعطاها لتلك المرأة العجوز بعد أن تحدث إليهم لبرهة قصيرة ومن ثم أمسك بيد السيدة وسار الثلاثة مبتعدين بظلالهم عن العجوز والعصا القديمة وقد ضنّوا عليها بالذهاب معهم وكأنها عبءٌ ثقيل لا يستطيعون تحمله طيلة الوقت . لم تتوقف خطاهم كذلك نظرات العجوز عن ملاحقتهم حتى بدوا نقاطاً بعيدة في زمن أبعد . فحملت عصاها وبدأت بالخطوات الخمس ثم التوقف وإلى ذلك حتى دخلت الحديقة . وبقيت أتابعها وعيناي ممتلأتين بالدموع .
لاشك أن تلك العصا التي لا تحمل روحاً كانت أحنّ عليها من أولئك البشر . وهذه الحديقة أجمل منزل لمن لا منزل لهم غير جدران من حجر تسكن بينها قلوب لم تعرف الخفقان يوماً .
بقيت أتابع الخطى الخمس كل دقيقة حتى ابتعدت تماماً وبدت كأنها شجرة راحلة بين الأشجار وانتهت حين تلاقت مع الأفق وضاعت فيه ...

 

~*~ طـــــوق ا لياســــــمين ~*~


كان لا يزال ينظر إلى تلك الشجرة ذات الأزهار البيضاء الصغيرة وهو يقول: ((هل ترين هذه الشجرة يا ابنتي؟ إنها الياسمينة التي زرعتها من أجل ياسمين. ((ياسمين)) كم تردد هذا الاسم في ذاكرتي وكم بكيت لأجله. هذا كله لأني ظننت في يوم من الأيام بأنها لم تعط ابتسامتها وقلبها لأحد غيري.
فزرعت هذه الياسمينة كي أصنع طوقاً من أزهارها لياسمين. كنت أسقيها كل يوم وأنتظر نموها بفارغ الصبر, وعندما تفتحت أول زهرة بها قطفتها وقدمتها لها فوعدتني أن تحتفظ بها لكنها للأسف لم تفِ بوعدها. وبعد سنوات قليلة أصبحت الياسمينة كبيرة وتدلت أزهارها العطرة فقطفت أجملها وأمضيت نهاري كلّه في صنع طوق يزين جيدها الطويل , وكم كنت ساذجاً حينها بأفكاري تلك..
وفي المساء ذهبت إلى بيتها كي أعطيها الطوق مع أن أهلى حاولوا منعي يومها, ولم أدر لم؟ إذ لم يقل لي أحدهم أن ياسمين ترتدي فستاناً جميلاً وزينة كثيرة.. ثم جاء شخص غريب وطوق عنقها بطوق من الماس بينما كان خاتم ماسي آخر يلمع في إصبعها الأيمن, ثم تقدم ذلك الغريب منها أكثر وقبلها. عندها لم أدر ما أفعل فقد أحسست بأن جسمي كله مخدّر عدا عيني اللتين ذرفتا دمعاً كثيراً...
ولم أتصور أن ياسمين جميلة القرية تفضل طوق الماس على طوق الياسمين فجررت نفسي متهالكاً والخزي يملأ وجهي وعلى مقربة من مكان الخطبة استوقفتني زهرة الياسمين التي أهديتها إياها وقد تمزقت أوراقها من كثرة الدعسات التي مرت فوقها رغم صغرها فانحنيت وأخذتها وعندما وصلت إلى البيت حرقتها مع طوق الياسمين, وبكل ما أوتيت من قوة اقتلعت الياسمينة لكن جذورها بقيت في الأرض ربما لأنها تريد الحياة.
وفي تلك الليلة لم أنم ولملمت ثيابي منذ الصباح الباكر وغادرت القرية إلى بلاد بعيدة علني أنسى ياسمين لكنها ظلت تلاحقني بجرحها الذي صنعته في قلبي فترة طويلة. وهاأنذا الآن تزوجت وأنجبت وأصبحت جداً. ومعي من المال ما يكفي لشراء ألف طوق ماس. لكن أكثر ما فاجأني عند عودتي هي الياسمينة التي لم تمت بل أصبحت أجمل من ذي قبل وأكثر إشراقاً وعطراًً.. أما ياسمين فقد رأيتها تحمل أحفادها وقد بلغ الشيب منها مبلغه.
هل ترين يا ابنتي: (( الياسمينة كانت أوفى من ياسمين )).

 

(( أنـا و ا لمتســــولة ))


وقفت أنتظر زوجتي ريثما تنتهي من تقديم طلب للعمل في منظمة وزارة الصحة بينما تسمرت أمامي عجوز ملحفة بالسواد حزناً وشكوى من قسوة الحياة, وطلبت مني أن أشفق عليها ببعض المال بعد أن قصت علي قصة عذابها الطويل, لم أدر مدى تصديقي لقصتها لكن ما أدريه أنني وبدافع ما رثيت لحالها تعطفت عليها ببعض النقود الحديدية التي وجدتها في جيبي, ثم بدأت هي تدعو لي بالتوفيق, شعرت من خلال دعواتها بفرج مؤقت وبنور ينبعث من إحدى مظلومات الكون.. نعم فما ذنبها إن ولدت فقيرة وعاشت فقيرة؟ أفلا يمكنها أن تغير ما كان مسيراً منذ البدء؟ رمقتها تتجه إلى إحدى زوايا الشارع لتمد بساطا ((مزقاً)) امتص غبار الهواء والطريق فأصبح أسود قاتماً وجلست مستندة إلى حائط أحد الأبنية, نظرت إلى ساعتي مستعجلاً مرور الوقت إلا أن عقرب الثواني كان لا يزال يتحرك ببطء وقد طال انتظاري لزوجتي لكن ما شغلني عن ساعتي هو صوت المتوسلة العجوز وقد ارتفعت حدته لدى مرور أحد الأشخاص ذوي الهيئة المترفة.. فبعض الناس لا يمكن أن تخطئ في معرفة إلى أي طبقة ينتمون, رأيته يقف أمامها ويقول: ((هل لديك ورقة مالية من فئة الخمسين كي أعطيك مئة ليرة؟)). فأطرقت رأسها بالإيجاب وأخرجت من حقيبة يدها الخمسين ليرة مقابل المئة ثم دعت له بحظ موفق سعيد لكن مالفت انتباهي هو حقيبة يدها , تأملتها ملياً فلم يخف علي أمرها كانت مصنوعة من الجلد الأصلي الذي طالما طالبتني زوجتي به ولم أستطع تأمينها لها لأن ذلك يكلفني نصف راتبي.
تابعتها وهي تخرج من حقيبتها طعاماً وعلبة عصير فاستغربت لأمرها ولأمر حقيبتها وطعامها لكنني بعد حوالي نصف ساعة أدركت السبب.. نعم وبعد معرفتي السبب تساءلت عن مدى غبائي فضحكت من شدة بساطتي في فهم الأمور. كنت أعتبرها مجرد متسولة حتى أنني أشفقت عليها ببعض المال لكن ما رأته عيني وما حسبته جعلني أرثي لخيبتي وبساطة نيتي, ففي ظرف نصف الساعة تلك رأيت عدداً من الأشخاص يجود كل منهم عليها ببعض النقود كما رأيتها تطلب الشفقة متحسرة لحالها لدى مرور ذوي الجاه والترف أو متوسطي الحال أما لدى مرور شخص أظلمت الدنيا في وجهه فبدا كئيباً حزيناً لواقع مؤلم فقير فإنها تكاد لا تتكلم بل تنظر إليه باشمئزاز نعم, عرفت سر هذا كله عندما أحصيت عدد الأفراد الذين تكرموا عليها خلال النصف ساعة وضربتها بعدد ساعات اليوم ثم بعدد أيام الشهر إلى أن وصلت إلى رقم يتراوح بين ضعفي إلى ثلاثة أضعاف راتبي فانتاب قلبي جرح عميق وحزنت لحالي لا لحالها وتأسفت لوضعي لا لوضعها, هممت بالذهاب إليها كي أعيد ما أخذته مني تلك العجوز الماكرة فقد تبين لي أنها أغنى مني بكثير, خطوت خطوتين وأنا متحمس كي أجتر حنانها فتشفق على حالي وتعلمني سر صنعتها لكنني لمحت في تلك الأثناء زوجتي مقبلة نحوي وقد ارتسم على وجهها حزن عميق وعندما سألتها عن سبب مخاوفها أجابتني بتفاؤل يشوبه قلق عظيم: ((لم يسعفني الوقت بتقديم أوراقي كلها فهناك الكثير ممن أتى قبلي ولديه مؤهلات أفضل يستطيع الفوز بالوظيفة, أنا جد غير متفائلة))
والتفتت نحوي بيأس فضممتها إلي بحنان لأسلي عنها ثم نظرت إلى المتسولة التي كانت مشغولة بأحد المارة وقلت لزوجتي بينما تأرجحت عيناي بينها وبين المتسولة: ((إلى الغد إذاً)).

 

جزاء الخائن


يروى انه في قديم الزمان ، كانت هناك مملكة عظيمة ، وكان يحكم هذه المملكة ملكا عادلا وحكيما ، حيث كان قصره مفتوحا لكل ابناء الشعب ليقدموا مشورتهم واقتراحاتهم ،  وذلك لمصلحة المملكة وتقدمها ، وكان الملك يستمع للجميع ويأخذ بآرائهم ، فكان حقا مثالا للحاكم المنفتح والنزيه ، وكان الشعب يحبه ويجله ويحتفي به كل سنه ، ومن عادة هذه الأحتفالات كان على مواطن واحد ان يهديه هدية متواضعة في عيد ميلاده ، كل في دوره . ويقال بأنه في احدى السنوات جاء الدور على شخص ، وكان هذا الشخص فلاحا بسيطا يعيش في احدى القرى ، حيث كان يعيش على ما تنتجه ارضه ومن الصيد ، وعندما جاء عليه الدور اراد ان يهدي للملك اغلى ما عنده ، فجائته فكرى بان يهدي للملك طائر /الققوونو/ الذي كان يملكه ، وكان يستعمل هذا الطائر كطعم اثناء الصيد .
فذهب هذا الفلاح الى قصر الملك ، واخذ معه طائر الققوونو ، وبعد ان حيا الملك قال : يا جلالة الملك المعظم انني اهدي اليك هذه الهدية المتواضعة ، وهي اثمن مااملك ،واعطى طائر الققوونو للملك .
فقال الملك : وما هي مميزات هذا الطائر .
فرد الفلاح : ان هذا الطائر هو عجيب ، فأنا استعمله كطعم في الصيد ، حيث انصب الفخاخ واضع هذا الطائر بالقرب منها ، فيقوم بدوره بالتغريد ويصيح وينادي ابناء فصيلته من الطيور ، وعندما يأتون اليه يقعون في الفخ .

 فأخذ الملك الطائر وقطع رأسه ورماه .

 فقال الفلاح: ماذا فعلت يا جلالة الملك ، لماذا قتلت الطائر ؟
فقال الملك : ان كل من يخون أبناء قومه يجب ان يكون هذا مصيره .

 

لف ودوران


كانت افعى سامة عند ضفة احد الانهار عندما لمحت ثعلب قادم ناحيتها ، فنادته وقالت : ايها الثعلب الصديق ، هل تساعدني وتنقلني على ظهرك الى الضفة الأخرى من النهر فأنا لا استطيع السباحة ؟

 فقال الثعلب : متى كنا اصدقاء ، وانتي افعى سامةوانا لا اثق بك .

 فقالت الافعى : اقسم بقانون الغابة بأنني لن أؤذبك ، فكل ما سأفعلة هو انني سأركب على ظهرك وتنقلني الى الضفة الاخرى ، وسأكون لك من الشاكرين ، ولن انسى لك مساعدتك لي مدى الحياة .

فأقتنع الثعلب ، وصعدت الافعى على ظهره ، ونزل الى النهر ، والتفت الافعى حول عنق الثعلب ، وقالت : للأسف يا صديقي فأنني سألدغك .

 فقال الثعلب : اهذا هو جزاء استحساني. فقالت الأفعى ـ انك تعلم اننا نحن الأفاعي مخادعين ، والآن ستدفع ثمن غبائك .

فقال الثعلب : ارجوك .. لا تلدغيني حتى نصل الى اليابسة ، فأنا لا اريد الموت في الماء . وعندما وصلوا الى الضفة الأخرى ولا زالت الأفعى ملفوفة حول رقبة الثعلب .

 قال الثعلب : لي طلب أخير منك ، اريد قبلة الوداع قبل ان تلدغيني .

 فقبلت الأفعى الطلب ، وعندما همت الأفعى بتقبيل الثعلب انقض عليها باسنانه وهشم رأسها . وانزل الافعى الملفوفة من حول رقبته ، ووضعها على الأرض بشكل مستقيم ، مثل المسطرة ، وقال مستطردا : هكذا تكون الصداقة ، ساوية ومستقيمة ، ليس فيها لا لف ولا دوران .

 

العالمان


كان في مدينة افكار القديمة عالمان ، وكان كل منهم يمقت معرفةالآخر ويحتقرها ، وكان الأول كافرا ، والثاني مؤمنا ، وحدث انهما اجتمعا مرة في ساحة المدينة وطفقا يتجادلان امام انصارهما في وجود الآلهة او عدم وجودها . وبعد حمي وطيس الجدل بينهما بضع ساعات مضى كل منهم الى سبيله . وفي ذلك المساء بعينه ذهب الكافر الى الهيكل وجثى على ركبته امام المذبح مستغفرا الآلهة عن جموح ماضيه وصار مؤمنا.

 وفي تلك الساعة نفسها اخذ المؤمن كتبه المقدسة فحرقها في ساحة المدينة وصار زنديقا كافرا.

 

الحمار الوفي


انا حمار وفي ، اطيع سبدي واصغي اليه ، انحني له اجلال وابجله ، اسمع الكلام ولا اعترض ، يركب على ظهري ، يذلني ويضرب على قفاي وانا ابتسم ، اذهب الى زريبتي في الليل وانام بين الاقذار ، واستيقظ في الصباح مستعدا للضرب دون اعتراض ، فأنا حمار .

استحمل الاهانة والويل لي لو ابيت ان اطيع ، فعلي ان لا ابالي لو صرخ سيدي وقال ـ هش هش يا جحش يا حمار ، فأنا تعودت على الاهانة ، كما تعود سيدي على شتمي ليل نهار ، احمل الاثقال على ظهري في ايام البرد والحر ، في الجو الممطر والمثلج ، واذا ابيت مصيري وقلت لا ، وضعني سيدي في الزريبة واقفل علي دون اكل ولا ماء ، آكل بقايا من الشعير المعفن ، واغلق فمي وارضى بمصيري ، وما هو مدون ، علي السكوت والطاعة ، رغم ان سيدي ليس افضل مني ، فهو الآخر له اربعة ارجل وذيل ، فهو ايضا حمار .

 

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية