بحث تاريخي

 

تاريخنا المشترك


 إعداد : فهمي ماروكي

الحلقة الثالثة  :

تتمة :

  عند بروز روما كدولة قوية في الشرق مما ارغم كل السلوقيين والفرس على خوض معارك مع الدولة الجديدة وكانت بيث نهرين وشعبنا مسرحا لهذه المنازعات والمطاحنات ، وقد وقع قسم من شعبنا تحت سلطة فارس ، والقسم الآخر تحت سلطة روما ، فذاق شعبنا الأمرين من جراء حروب هاتين الدولتين ، فكان لظهور الديانة المسيحية تحول كبير في حياة شعبنا ، فلقد كان شعبنا احوج ما يكون الى مبادئ مثالية سامية تنقذه من الظلم والأضطهاد الذي يعانيه ، وقد راى في التعاليم المسيحية ضالته المنشودة ، فهي تعاليم غاية في السمو والتسامح والسلام ، وشاملة لجميع الشعوب في العالم ، فحملها شعبنا باقصى ما يتمكن من ايمان وعزم على نشرها بين حاكميه ، الا انه فشل في البداية باقناع حاكميه بهذه المبادئ التي تدعوا الى المحبة والاخاء والتسامي والعدالة لكونهم لم يكون بحاجة لمثل هذه التعاليم لأنهم في مركز قوة ، والقوي لا يحتاج للعدالة والمساواة ، ولذا اعتنق شعبنا بمعظمه الديانة المسيحية وبما انه لم يتمكن من بناء سلطة سياسية مستقلة خاصة به ، فقد تبع شعبنا بمعظمه قادته الروحيين واوكل اليهم امره وحتى شؤونه الاجتماعية .

فاصبح رجال الدين هم الممثلين للشعب الآشوري الذي كان يعرف انذاك بالسريان ولهم صلاحيات النطق باسمه والتفاوض بدلا عنه حتى كان عام 452 م وظهور الإنشقاقات المذهبية بين رجال الدين والتفسيرات الفلسفية لنصوص الأنجيل ، وما تمخض عن مجمع افسس المنعقدة عام 432 م من تحريم لتعاليم نسطور ، وكان من الطبيعي ان تقوم الدولة الرومانية التي امنت بالمسيحية انذاك بطرد نسطور واتباعه من الاماكن التي تقع تحت سيطرتها ، فسنحت لفارس فرصة ذهبية وقررت استقبال نسطور ونشر مذهبه بين افراد شعبه ويكون لها حليفا جديدا تستخدمه واتباعه ضد الدولة الرومانية التي كانت عدوتها ، وهكذا انقسم شعبنا مذهبيا الى فئتين ( السريان النساطرة ـ والسريان اليعاقبة ) وقد بقي السريان النساطرة ضمن حدود الدولة الفارسية ، بينما ظل السريان اليعاقبة ضمن حدود الدولة الرومانية ، وكانت تقوم كل دولة باستغلال شعبنا المتواجد ضمن سيطرتها ابشع استغلال .

فكانت فارس تستخدم الكنيسة النسطورية لكشف اتباع الكنيسة اليعقوبية ضمن سلطتها واضطهادهم بابشع الوسائل ، ونفس الشيئ كانت تفعله الدولة الرومانية مع الكنيسة اليعقوبية حت ان رجال الدين لم يتوانوا عن اضطهاد الجانب الآخر هم انفسهم ، وهكذا تعمقت الخلافات والأحقاد بين فئات شعبنا ، بعمق الأحقاد والخلافات بين روما وفارس ، فكان لهذه الدول ما ارادته من استغلال شعبنا وذلك بحجة موافقة زعمائه الدينيين ، وبالرغم من كل هذه المحن والمصائب فقد كان شعبنا يقدم العطاءات الجزيلة لمستغليه ويشيد المدارس والمعاهد في الرها ونصيبين وغيرها من المدن ، ولمزيد من الإيضاح عن الانشقاق الكنسي والمذهبي نثبت هنا ما ورد في كتاب ( الآشوريون ) للكاتب الشهير ( ماتفيف ) إذ جاء : ( وفي القرن الأول الميلادي وفي كل من فلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين وايران ، هناك حيث عاش الآشوريون بصورة رئيسية ، اخذت الديانة المسيحية بالانتشار ، وكان الشعب الآشوري من اوائل الشعوب التي اعتنقت هذه الديانة ، ولما لم تكن لهم دولة او حكام دنيويون فقد قامت الكنيسة ورؤساء الدين بمهمة جمعهم وتوحيدهم ، فاصبحت الكنيسة تقوم منذ هذه الفترة بهذه المهمة التاريخية الدنيوية ، فتشابكت مهمات الكنيسة الآشورية ، غير ان الاخيرة لم تعوض الآشوريون بفقدانهم للدولة وتطورهم وفي نفس الوقت امكن المحافظة على الخواص الأثنية للآشوريين والعلاقات بينهم بالرغم من تواجدهم وعيشهم في دول مختلفة .

اضطهدت الأمبراطورية الرومانية ومن بعدها البيزنطية الشعوب الواقعة تحت سيطرتها ، ومن ضمنهم الآشوريون ، ولم يكن اضطهاد روما وبيزنطية اضطهادا سياسيا او اقتصاديا او اجتماعيا وقوميا فقط ، وانما شمل الأضطهاد الديني ايضا ، وظهر عدم الرضى على وضعهم الصعب كثيرا على شكل صراع ضد المسيحية الأورثوذكسية البيزنطية وعلى شكل النقاشات الدينية الحادة وتشكيل التيارات والمذاهب الدينية المختلفة ، ومن الذين اظهر عدم الرضى عند الآشوريين ضد سلطة بيزنطة كان نسطورس ، والذي قدم من سوريا وانتخب في عام 437 م ، قرر الأجتماع الكنسي الذي عقد في افسس بادانة نسطور واتباعه ، غير ان النسطورية لم تمت وانما اصبحت المذهب الرئيسي للكنيسة الآشورية وسمي اتباعها الآشوريون ( بالنسطوريين ) .

عدم الرضى عن سياسة بيزنطة ادى الى انفصال قسم اخر من اشوريي سوريا عن الكنيسة البيزنطية .
هذا الحدث لقب بانفصال يفتاح ( ارشمندريت القسطنطينية ) وشكل هذا القسم من الآشوريين كنيسة لهم ايضا ، وان تعاليم يفتاح ادينت في مجمع خلقدون عام 401 م ، وقام بنشر تعاليم يفتاح اسقف مدينة اورفا ( اديسا ) يعقوب باراداي زنزال ، وباسمه دعيت الكنيسة اليعقوبية وسمي اتباعه باليعاقبة ، اختار معتنقي مذهب يعقوب مدينة انطاكيا مقرا لهم ، وفي القرن الخامس عشر نقل الكرسي البطريركي لكنيسة اليعاقبة الى دير الزعفران بالقرب من مدينة ماردين ( تركيا ) ويتواجد الآن المقر البطريركي في مدينة دمشق ( سوريا ) .

منذ اعتناق اشوريي سوريا المسيحية ، كان التبشير والتدريس في المدارس يتم باللهجة الغربية للغة الآشورية ، لذا فجميع الذين اعتنقوا الديانة المسيحية والذين كتبوا بهذه اللهجة لقبوا ويلقبون خطا بالسوريون ، وان اشوريي شمال العراق وحتى وقتنا الحاضر يستعملون مصطلح ( سوري ) ( سورايا ) للتعبير عن جميع معتنقي الديانة المسيحية ، والى هذه المصطلحات اضيف في القرن السادس عشر تعبير اخر ( كلداني ) والذي ادخل من قبل روما البابوية للتعبير عن ذلك القسم من الآشوريين النسطوريين الذي انتمى الى الكنيسة الكاثوليكية .

وعند قدوم قوات الفتح الإسلامي ، التي جاءت من الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي ، انهارت امامها قوات الدولتين العظيمتين ( فارس وروما ) ، وقد كان لهذه القوات عقائد إلهية متشابهة من جهة ومغايرة من جهة اخرة للعقائد المسيحية ، فاستبشر شعبنا بفئتيه النساطرة واليعاقبة خيرا بقدوم الفاتحين الجدد ، املا في الخلاص من المظالم والأضطهادات ، وقد خدم الآشوريين الدولة المحمدية وساهموا في تاسيسها من ناحية التنظيم والإدارة والمساهمة في بناء المعاهد العلمية ، إلا انهم لم يكافئوا على ما قدموه لهذه الدولة الفتية ، فقد وقعوا تحت سلطة الجزية والخراج التي كانت تجمع منهم بالقوة في معظم الأحيان مما ارغم قسم منهم الى اعتناق الديانة الاسلامية تهربا من دفع الجزية وخوفا على حياتهم .
الا ان كل هذه الأمور لم تمنع الآشوريين بفئتيهم ( السريان اليعاقبة ـ والسريان النساطرة ) من تقديم العطاءات المستمرة سواء اكانت علمية او ادبية ، وتنظيم شؤون الادارة لهذه الدولة ، فكانوا دوما حلقة وصل ومزج لأفكار ولثقافات الشرق والغرب وكانت لغتهم المعروفة انذاك بالسريانية هي اداة العلم والمعرفة والنقل والترجمة ، وقد كانت مرحلة العصر العباسي من ابرز المراحل التي ابدع فيها العلماء الآشوريون في مجال الطب والفلسفة والأدب .

جاء في كتاب الآشوريون لمؤلفه ماتفييف ما يلي : ( بعد احتلال العرب لاسيا المتقدمة ، عرف الآشوريون العرب بمؤلفات المؤرخين والفلاسفة الأغريق وغيرهم ، فالكتب التي ترجمها الآشوريون وبحسب اقوال الخلفاء قدمت خدمة جليلة للعرب ، والادب الآشوري في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين ساعد العرب للأطلاع على ثمار الفلسفة والعلم الأغريقي ، والتي تستحق التثمير في العالم اجمع .
اخذ العرب هذه الثروة من الآشوريين عندما كانت اوروبا في القرون البربرية والجهل ، وللتاكيد على تاثير الآشوريين على الحضارة العالمية ، نذكر اقوال المؤرخ سباسكي والذي كتب ( هذه الاعمال النيرة للنسطوريين في فترة الخلافة العربية تعتبر افضل واجمل صفحة من التاريخ في تلك العصور الجاهلة ، عندما كانت اوربا تمر بعصور الظلام ، وفي بيزنطة حيث سببت الكنيسة التاخير في التقدم العلمي ، النسطورية كانت الملجا العلمي الوحيد لطالبي العلم والعلماء الذين اعطوها للعرب ولتنقل الى الاجيال المقبلة ، وكان دخول العرب اسبانيا كما هو معروف يعتبر اكبر زخم لايقاظ العقل الأوروبي الغربي في القرنين الثالث والرابع عشر من سبات القرون الوسطى .. ) .

وفي مكان اخر يقول ماتفييف : ( ومن ضمن الشخصيات الآشورية العظيمة يجب ذكر مار افرام سيرين ميخائيل السوري ، ابن العبري ، اسحق بن حنين ، ايشو با نوفا ، ايشو بار بهلول ، وغيرهم ) .
إذا كانت مرحلة العهد العباسي من ابرز المراحل التي ابدع فيها العلماء الآشوريون في الطب والأدب والفلسفة وهي نفس المرحلة التي زاد خلالها الأنشقاق المذهبي وزادت التفسيرات الفلسفية لنصوص الأنجيل اختلافا بين الفئتين بعد امتزاج مبادئ الفلسفة اليونانية بالمبادئ المذهبية الدينية وتحولها الى عقائد خاصة يؤمن بها بعض المفكرين من ابناء شعبنا ، وقلما يلتقي اثنان في الفلسفة لكونها خضم واسع من الأفكار المتلاطمة .

وكان عام 1258 م حيث وقعت بيث نهرين تحت سيطرة قوات هولاكو الذي نشر الرعب والدمار في المنطقة بكاملها ، وقد تمكن الآشوريين النساطرة من خلق علاقة ودية وثيقة مع حفيد جنكيزخان ، وطلب هولاكو عندئذ اعتناق الديانة المسيحية وان كان لا يعلم عمق الخلافات المذهبية بين المسيحيين انذاك ، وربما كان يحلم من وراء ذلك ان يصبح زعيما للعالم باعتناقه هذا المذهب بموافقة المجمع المسكوني ، إلا ان خوف البابا من الموافقة على هذا الطلب كان شديدا وذلك خوفا من اعتناق هذا الأمير المذهب النسطوري وعندئذ سيقوى مركز النساطرة وتكون الزعامة الكنسية لهم وبذلك يفقد البابا زعامته على العالم المسيحي .
فكان طبيعيا ان يماطل البابا ويتهرب من الرد املا منه بان يغير حفيد جنكيزخان رايه ويدخل مذهب روما ، ولما طالت المماطلة وتاخر الرد ثارت ثائرة هولاكو واعلن دخوله وكافة اتباعه الديانة الاسلامية ، وشن اثر ذلك حربا شعواء على المسيحيين المتواجدين في تخوم دولته انتقاما من رفض طلبه ، وظل يلاحق القوات المسيحية حتى اسقط اخر معقل لهم .

وما ان قويت السلطة العثمانية حتى وقع العرب انفسهم تحت سيطرتها ، وما ان انهى العثمانيون فتوحاتهم وتاسيس امبراطوريتهم حتى بدات تتارجح بين مد وجزر من ناحية القوة والضعف ، وكان شعبنا في هذه الفترة يعيش كمواطن من غير حقوق ، لا بل كسلعة لقضاء الحاجات الخاصة ، كما بدات البعثات التبشيرية الأوربية في هذه الاثناء تطالب بالحقوق على نشر مذاهبها بين المسيحيين المتواجدين ضمن الدولة العثمانية وذلك لغايات سياسية مقابل تنازلات معينة من حكومات هذه البعثات ، وقد تمكنت معظم هذه الدول الأوربية من انشاء جماعات مذهبية تابعة لها وكانت كل دولة تدعي حق حماية المسيحيين التابعين لها مذهبيا ، وذلك لغايات سياسية معينة ، والدولة التي كانت تنال الحظية عند الدولة العثمانية كانت تحاول الضغط وممارسة الأضطهاد على مسيحيي اتباع مذهب الدولة الأوربية المناهضة لها ، وحث الدولة العثمانية والشعوب المجاورة على مضايقتهم ، وادى هذا الى حدوث مجازر رهيبة ومتعددة ضد المسيحيين الآشوريين في الشرق ، والذين اصبحوا من اتباع مذاهب دينية متعددة ، وقد بلغ عدد هذه المجازر ثمانية مجازر إبادية ابتداءا من عام 1505 ومرورا بعام 1714 ـ 1882 م ، وكانت اشنعها مجازر عام 1915 ـ 1933 م التي كانت بتخطيط من دوائر المخابرات الاوربية وخصوصا الانكليزية ، التي لها سجل اسود في تاريخ شعبنا ، ووصفها يوسف مالك في كتابين له هما ( الخيانة البريطانية للآشوريين ) و ( فواجع الانتداب في حكومة العراق ) وهما مرجعان لا غنى عنهما لكل من يود الأطلاع على اللعبة الخبيثة التي لعبتها بريطانيا بحق شعبنا ، وستبقى هذه وصمة عار على جبينها على مدى الدهور .

ادت هذه الاحداث والمجازر إلى افناء اكثر من مليوني شخص من الشعب الآشوري بجميع طوائفه ، ومن هنا نرى ان الصراع السياسي للدول الاستعمارية الاوربية واطماعهم في السيطرة على الشرق ، كل هذه الامور انعكست سلبياتها على تواجد الشعب الآشوري من قبل السلطات العثمانية والشعوب المسلمة المتواجدة معها ، وذلك لاعتناقه الديانة المسيحية التي امن بها هؤلاء الاوربيون .
وقد جاءت البعثات العلمية للآثار والتنقيب في القرن الثامن عشر واظهرت للملأ بعض الآثار للحضارة الآشورية للعالم ، وغدت الأساطير حقائق وارقام ، وعرف كثيرون الجوانب الغامضة لأساطير بلاد ما بين النهرين .

ولقد بقيت التسمية الأجنبية لأسم وحضارة بيث نهرين من المكتشفات الأثرية سواء كانت عن الحرف المسماري او الآرامي ( اسيريان ) بينما جاءت التسمية في العربية لأسم الشعب باني حضارة بيث نهرين بترجمة الأسم من اللغة الاصلية سواء كانت ترجمتها من النصوص المسمارية او الآرامية والحضارة الآشورية ، وبقي بلغتنا كما كانت التسمية (  ܥܐܡܐ ܐܬܘܪܝܐ عامو اوثورويو ) لارتباطها بالوثنية واستبدلوها بالسريانية التي اطلقت عليهم لكونها اصبحت تعني مفهوم المسيحي وتناسب اسمها مع المبادئ المسيحية واخذت طابعا دينا بحتا .
لذا فعلى الشعب الآشوري ان يرفض تجزئة قضيته باسماء مختلفة ، بل ان الاسماء المختلفة بكاملها تعني قضية واحدة ، وهي قضية الشعب الآشوري وبلغتنا (    عامو اثورويو   ) ، بينما التسمية السريانية ، حسب الترجمة اليونانية اذا اخذت بمعنى قومي فانها تعني انفصال التسمية عن تاريخ بيث نهرين القديم ، اي ان الحضارة الآشورية قد انقرضت وبدات حضارة جديدة لشعب جديد ، إذ ان من المتعارف عليه ان سقوط امة معينة لا يعني انقراض الشعب باني الحضارة ، وقد بينا سابقا ان الشعب الآشوري لم ينقرض بسقوط دولته بل ظل محافظا على نفسه وعاداته وتقاليده ولغته ووجوده الى يومنا هذا وذلك ببراهين اثبتناها سابقا .
فالشعب كبشر يبقى مستمرا ، الا ان استمرارية بقاءه الحضاري هو الذي ينتهي فيذوب بغيره من الشعوب المغيرة او المستعمرة .
فانقراض الفرعونية مثلا لا يعني انقراض الفراعنة كبشر ، بل انقراض الاستمرار الحضاري للفراعنة وذوبانهم في الحضارة العربية الأسلامية ، وكذلك اراميي حماة ودمشق وحلب ، فاستمرارهم كبشر لا يزال موجودا الا ان ما انقرض هو استمرارهم الحضاري .

لذا نحن ناخذ التسمية السريانية بمعنى الآشورية حرفيا ، ولا ناخذها بمعنى حضارة جديدة ، اي انه لم ينقرض الأستمرار الحضاري للشعب الآشوري ، بل بقي مستمرا ولو بتسميات والقاب مختلفة ، وبقي محافظا على مقوماته القومية كالعادات والتقاليد والفن والادب والتاريخ واللغة والكيان ، بالرغم من انه قد فقد السلطة والاستقلال السياسي ، وان التسمية الجديدة التي اطلقت على شعبنا تحت ظروف جديدة ، لا تعني شعبا بل لقبا ، ولا تؤخذ التسمية بمعنى شعب جديد دخل الى بيث نهرين ، ومن المعلوم ان شعبنا خلال التسمية السريانية لم تقم سلطة سياسية مستقلة وتراث حضاري خاص به ، بل انه تمكن من المحافظة على سماته وخصائصه القومية التي كونها خلال فترة حضارته الآشورية ، ومجموع ما قدمه شعبنا خلال فترات استعماره فذلك ينتمي الى تراث الشعوب المستعمرة ، بل ان الأمكانيات والقدرات الفنية والعلمية لشعبنا كانت تخدم تراث وحضارة الشعوب المغيرة .
لذا لا يصح ان تطلق علينا التسمية السريانية بمعنى شعب دخيل على حضارة بيث نهرين الآشورية ، بل نحن اصحاب وبناة الحضارة ، وان كان قد مر شعبنا بالقاب مختلفة خلال تاريخه الطويل ، وحتى انه يكاد يضيع اسمه الحقيقي الآشوري ، ولكنه ظل هو هو باستمراره القومي وبتراثه الحضاري .
لذا نحن ناخذ تسمية شعبنا من اثارنا ومخلفاتنا الحضارية ، وليس من الألقاب والترجمات الحرفية للغات معينة والتي اطلقت علينا في فترة وقوع شعبنا تحت حكم سلطات استعمارية ، وعندما كان مغلوبا على امره ، وقد تعددت الأسماء والألفاب في القرنين التاسع عشر والعشرين حتى بلغت خمسة طوائف دينية وتباعدت افكار هذه الطوائف بسبب جهود المبشرين الأوروبيين .

وما نريد ان نعلنه هو اننا لا نتدخل بشؤون المذاهب الدينية لشعبنا ، بل نحترم الشعور الديني لكل طائفة ، وان قضية شعبنا القومية لا علاقة لها بالتسميات المذهبية الدينية التي امن بها شعبنا لأن القومية والدين شيئان مختلفان وغير متناقضان لأن لكل منهما مجاله وطريقه الخاص ، فالكنيسة مجتمع روحي وديني وعلاقتها مع الله ، وهي مخصصة للعبادة وتبرئة ذمة الانسان مع خالقه ، فهي اذا شيئ جامع يجتمع تحت لوائها البشر من كافة الجهات والاطراف ، فهي مبدا عام لكل البشرية لكونها تبشر بالعقيدة الدينية بين جميع الناس ، وقد ينتمي الى الكنيسة الواحدة افراد من قوميات متعددة ، وكامثلة على ذلك اعتناق اكثرية الشعب الصيني للبوذية ونشوء تنافس بينها وبين الكونفشية ، وحينما كانت تسيطر البوذية كان الفرد يعتنق دينيا المبدا البوذي وقوميا يبقى صيني ، وحيثما كانت الكونفشية مسيطرة كان الفرد يعتنق المبدا الكونفشي من الناحية الدينية وقوميا يبقى صيني ، وهكذا نرى بجلاء ان انتقال البوذية الهندية المنشئ الى الصين لم تحمل معها اية عقيدة قومية هندية لكونهما مذهب ديني وهي عبارة عن علاقة الفرد وخالقه ، اما القومية فهي رابطة اجتماعية سياسية تعني انتماء الفرد الى امة معينة وولاءه لهذه الامة ، فالقومية هي سمة مميزة لشعب معين ذو صفات معينة وخاصة ، وتتميز القومية بغيرتها على هذه الصفات والمحافظة عليها من الانقراض واحياء ما اندثر منها وتطوير ما تبقى منها للمحافظة على سماتها المعينة ، التاريخ ، اللغة المشتركة ، الارض ، العادات والتقاليد ، اما الدين فليس محصورا بقومية معينة او دولة معينة .

في إحدى محاضراته قال الملفان المرحوم يوحانون سلمان ( لقد هدانا عدد من الرواد من بني قومنا كاشور يوسف ونعوم فايق واغا بطرس والقديس المطران يوحنا دولباني ، الى اسمنا الحقيقي قوميا وهو اننا ابناء امة اشورية واحدة تضم كافة ابناء الطوائف المذهبية : ابناء كنيسة الشرق القديمة ، والكنيسة الكلدانية ، والكنيسة السريانية الاوثوذكسية ، والكنيسة السريانية الكاثوليكية ، والكنيسة السريانية الانجيلية .
لقد انا لنا ان نتخلص من الرواسب الماضية ، ان دعوتنا هذه هي دعوة زعمائنا القوميين الذين اسلفت ذكرهم ، ليس ضد اي مذهب او اي كنيسة او اي رجال دين ، هل نختلف نحن عن اي امة من امم العالم ؟ لكل امة من امم العالم حتى الشعوب الصغيرة التي تحررت حديثا من الاستعمار ، اسم قومي يوحدها ويجمعها ولا يتعارض والاديان والمذاهب العديدة التي ينتمي اليها افرادها ، فلماذا ننفر نحن بفعل الرواسب المذهبية المتراكمة في عقلنا الباطن من الانضواء تحت لواء قوميتنا ، ونصر على البقاء الى الابد طوائف صلواتية كاننا لقطاء لا اصل لنا ولا اجداد ولا تاريخ ) .

في كتابة ـ حركة الترجمة والنقل في العصر العباسي ـ قال الأستاذ : موسى غزال : ( ومهما تعددت هذه المذاهب والمعتقدات والفرق ، فانهم يرجعون باصولهم الى اصل واحد وجنس واحد ولغة واحدة ودم واحد وفكر واحد ساهم في نقل الحضارة الانسانية في مختلف المجالات ) .
وخلال زيارة قداسة البطريرك ما اغناطيوس زكا الأول لمطرانية الكنيسة الشرقية ( الآشورية ) في تريشور ـ الهند ، قال : ( عندما دخلنا كنيستكم ، شعرنا اننا في كنيستنا ، ويجمعنا معا تاريخ مشترك وحضارة واحدة ولغة واحدة ) .

وجاء في كتاب ـ الخيانة البريطانية للآشوريين ـ للأستاذ يوسف مالك ما يلي : ( رغم ان الآشوريون يمثلون امة واحدة ، وانهم الورثة الحقيقيون للامبراطورية العتيدة ، الا انهم منقسمون مذهبيا الى خمسة طوائف دينية ، حيث يقوم لكل طائفة منها ممثلها الديني الخاص ، وسلطة كنيستها المميزة ، اما الطوائف الخمس فهي :

النساطرة ، الكلدان ، السريان الكاثوليك ، الموارنة واليعاقبة .

ان هذه الأنقسامات الشكلية كانت قد ظهرت اولا في القرن الخامس الميلادي بسبب الانشقاقات اللاهوتية في الكنيسة الشرقية ، وليس بالامكان فهم الآشوريين ككل ، الا اذا ميز المرء الفارق بين الدين والقومية ، لأن الدين في الشرق كان قد اصبح منذ اقدم العصور وتحت تاثير العوامل الخارجية مرادفا للقومية ، ولكن بالتاكيد هناك ثمة فارق بينهما ولا يزال ، ان المشكلة التي تطرحها هذه الطوائف العديدة ليست اكثر من مشكلة لاهوتية ، وتعود بحد ذاتها الى المسيحية ، وليس الى القومية ، ورغم كونهم جميعا اصدقاء المسيح ، إلا ان لكل واحدة منها اجوبة مختلفة حول السؤال عن اقانيم المسيح .
ان ملاحظة واحدة تكفي لتدل على ما سبق ان السلطات فيما اذا تناول حديثها طائفة اليعاقبة او كنيسة اليعاقبة مثلا ، فانها لا توحي بوجود قومية يعقوبية .

فاذا كانت هذه الأمور واضحة من هذه الناحية ، فلماذا نرى او بالاحرى كيف يمكننا ان نرى شعبنا الآشوري المنتمي الى عدة مذاهب دينية وقد انطلق ليجعل من كل مذهب ديني قومية بحد ذاتها .
وتتوضح الفكرة هذه في اذهان بعض من ابناء شعبنا متناسين الناحية القومية او انه لم يعد بامكانهم التمييز بين ما هو ديني وما هو قومي ، فهل يا ترى يمكننا اعتبار المسلم الباكستاني او المسلم التركي عربيا لأنه مسلم ونفقده قوميته الباكستانية او التركية ؟ او اعتبار الشعب الانكليزي منتميا لقوميتين لأنه ينتمي لمذهبين كاثوليكي وبروتستنتي ؟ .

قال الدكتور بيره سرمس في كتابه ـ من نحن ـ : ( اي عنصر في هذا العالم المترامي الأطراف له اسم ذاتي يكنى به ، كل كائن حي يحمل اسما خاصا ، وكل مخلوق ناطق يعرف اسمه جيدا واسم ذويه وامته ، عدا الرضع وفئة من المجانين ، ونحن والحمد لله ، لم نختلف يوما عن مركبة الركب الانساني ولم نفقد ذاكرتنا وعقولنا ، فعلام اذا نتسمى بسبعة اسماء مختلفة ، وكيف تعترف بنا حكومات الدول التي نعيش بين ظهرانيها ، وكيف يعترف بنا الجيران والأجانب ، بينما نحن في ريبة من اصلنا والمنبع الذي منه نبعنا ؟ ) .

ان العلة الرئيسية لسوء حظنا وتاخرنا كامنة في اعماقنا ، وهذا النكران للذات راسخ في صدورنا وجماجمنا ، في دناءة قلوبنا وارادتنا ، وفي سبل افكارنا غير المصقولة والمهددة .
ان الأنا والقبلية والطائفية ، الماثلة امام ابصارنا كعين الشمس ، والتي تعكر وتكدر رؤيتنا لئلا نبصر الطريق التي ستقودنا عاجلا ام اجلا الى موارد الضياع والتهلكة .

انتهى
 

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية