بحث تاريخي

 

تاريخنا المشترك


 إعداد : فهمي ماروكي

الحلقة الأولى :

لا يخفي على اي باحث او دارس اختلاف وتناقض الفرضيات التي تحاول البحث في اصل شعب بيث نهرين ، فهناك الفرضيات العربية التي تقول ان اصلهم كان من الجزيرة العربية ، وفرضية اخرى تقول ان اصلهم كان من شمال افريقيا ، وفرضية ثالثة تقول ان اصلهم من اعالي الجبال الشمالية الشرقية لبلاد الرافدين .
ولكن مهما يكن اصل هذه الفرضيات وصحتها فهي ليست مدار بحثنا الآن ، فقد دلت الحفريات والمكتشفات الأثرية ان هذا الشعب تواجد في بيث نهرين منذ الألف السادسة قبل الميلاد ، لذا فان وجوده في هذه الأرض هو قبل التاريخ المدون ، وليس هناك من يستطيع واقله حتى الآن ان يحدد( اصل ومكان قدومه ، لأنه وجد في هذه الأرض قبل وجود التاريخ ، ويبقى كل ما قيل عن اصله مجرد تكهنات من قبل البحاثة ، وهي في معظمها متضاربة كما لاحظنا منذ البداية .
وكان من الطبيعي ان تستقر كل قبيلة او اسرة في منطقة ما من بلاد ما بين النهرين حسبما تتطلب حاجاتها ، فقسم منهم سكن في منطقة تدعى سومر وعرفوا بعدئذ بالسومريين ، واخرون سكنوا منطقة اكاد وعرفوا بعدئذ بالأكاديين ، وقسم ثالث بنى له مدينة وسماها بوابة الإله ( باب ايلو) بابل، وسمي بالبابلي، واخرون سكنوا المناطق الشمالية وبنوا مدينة على اسم إلههم ( اشور ) وعرفوا بالآشوريين ، وهناك قسم اخر صعد الجبال وسكن المناطق المرتفعة وعرف بساكني المناطق المرتفعة وسمي بالآراميين وذلك في الفترات المتاخرة من العهد البابلي القديم .
هذه هي المناطق الرئيسية التي قطن فيها سكان بيث نهرين والتي عرف بها سكانها ، وكان من الطبيعي ان يستاثر القوي باكبر كمية ممكنة من الخيرات في مجتمع لا يوده القانون ولا الأعراف الإجتماعية ، فكانت السلطة والسيادة للقوة وحدها ، وقد تمكن سكان سومر (السومريين ) في البداية من تنظيم انفسهم وخلق قوة عسكرية تمكنوا بواسطتها من السيطرة على باقي مناطق ما بين النهرين فسميت المناطق التي سيطروا عليها بالكامل بلاد سومر اي ان التسمية تعدت نطاق المنطقة التي تدعى سومر وشملت كل المناطق التي خضعت سياسيا لحكام سومر ، بينما التسمية ضمن دولة سومر كانت كما هي عليه في الماضي ، فكانت هناك منطقة تدعى اكاد ، ومنطقة تدعى بابل ، واخرى تدعى اشور ، وساكني الجبال ، وكان يدعى كل شعب من شعوب هذه المناطق بتسميته الأولى ، او كل قبيلة باسمها الأول ، فكان هناك السومريين والأكاديين ، والبابليين والآشوريين والآراميين كقبائل تسمى باسم المناطق التي تسكنها ، فعندما كان ينتقل فرد من سومر إلى اشور كان يعرف بالسومري ، وبالعكس يسمى بالآشوري ، ولكن كان يعرف كل من البابلي والآشوري والآرامي خارج بيث نهرين ( بالسومريين ) نسبة للسلطة السياسية المسيطرة ، وهذا منطق العالم حتى اليوم ، فضمن الدولة الواحدة هناك تسميات اقليمية يعرف بها الشعب ، فشعبنا في طور عابدين مثلا ، يعرف باسم المناطق التي يسكنها ، فيقال مثلا : هذا امدي وذاك مدياتي والآخر عين وردي ... الخ ، إلا انهم بالاجماع يعرفون بساكني الجبال ( طوروية ) وكذلك شعبنا في العراق فيقال : هذا حكاري والثاني بازكا والآخر جلوايا ، وتخومايا ... الخ .
ومن الطبيعي ان تتفاعل القبائل المتواجدة في بيث نهرين فيما بينها اجتماعيا وبشريا وحضاريا ، وبحكم خضوعهم لسلطة سياسية واحدة ونظام اجتماعي واحد متكامل ، وامتثالهم لتراث وفن مشترك وعادات وتقاليد متكاملة ، بالاضافة الى اللغة المشتركة التي كانت سائدة بين العامة ولو بلهجات مختلفة .
كان لنشوب الخلافات بين افراد الأسرة الحاكمة في سومر الدور الكبير في سقوط السلطة السومرية وانتقال الحكم للأكاديين اللذين كانوا مهياين اكثر من غيرهم لإستلام السلطة في بيث نهرين من السومريين في عام ( 2900) قبل الميلاد تقريبا تحت زعامة سركون الآكادي .
جاء في كتاب الحضارات ول ديورانت : ( انقضى عهد السومريين ولكن حضارتهم لم يقضى عليها فقد ظلت سومر واكاد تخرجان صناعا، وشعراء ، وفنانين وحكماء ، ورجال دين ، وانتقلت حضارة المدن الجنوبية إلى الشمال على طول مجرى الفرات ودجلة حتى وصلت إلى بلاد بابل واشور ، وكانت هي التراث الأول لحضارة الجزيرة ) .
وجاء في كتاب مغامرة العقل الأولى لفراس السواح ما يلي : ( اقام الاكاديون الساميون الى جانب جيرانهم السومريين ردحا طويلا من الزمن وما لبثوا ان استوعبوهم ، وبسطوا سلطانهم السياسي والثقافي على بلاد الرافدين ، في امبراطورية بلغت اوجها في عهد الملك الكبير حمورابي ، وإذا كان السومريون قد وضعوا بذرة الثقافة في وادي الرافدين ، فان الأكاديين هم الذين استنبتوها لتعطي اكلها) ولم يكن تعاقب الشعوب السامية الأخرى على الهيمنة السياسية في وادي الرافدين ( كالآكاديين والآشوريين ) إلا تنويعا على ارضية واحدة مشتركة .
وسع سركون الآكادي حدود دولته حتى وصل البحر الأبيض المتوسط والجبال العالية على حدود ارمينيا ، وقد خلق سركون الآكادي سلطة قويةانتجت حضارة وفن راقيين بالنسبة للفترة الزمنية التي سيطرت فيها السلطة الآكادية .
وهنا لا بد من التوضيح بان الحضارة الاكادية التي تلت الحضارة السومرية لم تكن شيئا مغايرا ، فقد كانت هذه الحضارة مستمدة من الحضارة السومرية وذلك للفترة الزمنية الطويلة التي عاشها الأكاديون تحت حكم السومريون ، فكتبوا لغتهم السامية بالحروف المسمارية ، كذلك اقتبسوا كثيرا من فنونهم مع بعض التطوير .
في هذا الأثناء لم يكن هناك حدود فاصلة بين مقاطعات بيث نهرين ، بل كان التنقل والارتحال قائما على قدم وساق بين جميع افراد القبائل .
بعد وفاة سركون الأكادي تتالى على السلطة ملوك ضعاف في اكاد وهي فترة عدم الاستقرار التي مرت بها بيث نهرين وكانت السلطة تنتقل بشكل متتالي بين سومر واكاد ، وعرفت هذه الفترة بالعهد السومري الآكادي ، وبقيت الأمور بين اخذ ورد ، وفي هذه الأثناء تمكن الكاشيون من دخول بيث نهرين وحكموها مدة من الزمن وبعدها استلم اورنامو السلطة وتمكن من طرد الكاشيون من البلاد التي كانت تعاني من الفوضى والبلبلة ، ثم سن القوانين واقام المشاريع العمرانية في البلاد وازدهرت بيث نهرين في هذه الفترة التي تسمى بسلالة اور الثالثة .
اما اورنامو فهو من اعظم ملوك اور حيث هيئ لها حياة امنة مطمئنة وسن القوانين المعدة من اقدم ما هو معروف بين الشرائع في العالم ، حيث سبق حمورابي البابلي في شريعته المشهورة على هذه القوانين .
ثم مرت البلاد بفترة ركود وخمول حتى جاء الأمير المثقف حمورابي البابلي ( 1750 ) قبل الميلاد حيث تمكن من استلام السلطة في بيث نهرين .
اما بابل فمن حيث تاريخها وجنس اهلها فكانت نتيجة امتزاج الأكاديين والسومريين ، فقد نشئ الجنس البابلي من تزاوج هاتين السلالتين وكانت الغلبة في السلالة الجديدة للأصل السامي الأكادي ، فقد انتهت الحروب التي نشبت بينهما بانتصاد اكاد وتاسيس مدينة بابل .
في معرض حديثه عن حمورابي وشريعته ، نقتطف مما جاء في قصة الحضارة لـ ول ديورانت حيث قال : ( .. وتطل علينا في بداية هذا التاريخ شخصية قوية هي شخصية حمورابي الفاتح المشترع الذي دام حكمه ثلاثة واربعون عاما . ان هذه القوانين البالغة عددها ( 282 ) قانونا ، والتي رتبت ترتيبا يكاد يكون هو الترتيب العالمي الحديث ، فقسمت الى قوانين خاصة بالاملاك العقارية ، وبالتجارة ، والصناعة وبالاسرة ، وبالاضرار الجسيمة وبالعمل ) ويضيف ( وهي من وجوه عدة لا تقل رقيا عن شريعة اي دولة اوربية حديثة ، وقل ان يجد الانسان في التاريخ ، تاريخ الشرائع كله الفاظا ارق واجمل من الالفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته ) .

اما عن بابل فيقول :( ما من احد ينظر الآن إلى موقع مدينة بابل القديمة ثم يخطر بباله ان هذه البطاح الموحشة ذات الحر اللآفح الممتدة على نهر الفرات كانت من قبل موطن حضارة غنية قوية كادت تكون هي الخالقة لعلم الفلك وكان لها فضل كبير في تقدم الطب وانشات علم اللغة ، واعدت اول كتب القانون الكبرى ، وعلمت اليونان مبادئ الحساب ، وعلم الطبيعة والفلسفة ، وامدت اليهود بالأساطير القديمة التي اورثوها للعالم ، ونقلت إلى العرب بعض المعارف العلمية والمعمارية التي ايقظوا بها روح اوربا من سباتها في العصر الوسيط ) .
وعندما تمكن حمورابي من استلام السلطة في بيث نهرين ، بنى قاعدته الاقتصادية والحضارية على ما خلفته سومر واكاد ، وقد تمكن حمورابي بفترة حكمه الطويلة وذكائه الحاد من تحويل مملكته إلى قلعة حصينة في وجه الأعداء ، وقد استغرق سنوات طويلة في تشييد المدن وشق الترع واستصلاح الاراضي ، ثم بدا في كتابة شريعته المشهورة التي تعد من اروع الشرائع في العالم القديم ، وقد اعتمد حمورابي في شريعته على قوانين اورنامو ، وقد كانت شريعته شاملة لجميع اوجه الحياة الاجتماعية ، ومن ثم اهم رواكز تلك القوانين ( الجميع متساوون امام القانون ) .
.. وفي هذاالاثناء برزت تسمية الآراميين كقبائل متنقلة في بيث نهرين ، لم يكن لها مكان مستقر ، وحتى ان قسم منها هاجر الى سوريا الداخلية وساحل البحر الأبيض المتوسط سعيا وراء التجارة ، وقد كانوا ، من سكان بيث نهرين كباقي القبائل ، وسبب تسميتهم كانت من اماكن وجودهم الأولى في المناطق المرتفعة ( ارعا رمثا ) .
جاء في كتاب اللغة الآرامية للأب البير ابونا ( اما لقب ارام فهو اسم جغرافي اطلق على المرتفعات ( الأرض العالية ) الواقعة في الشمال الشرقي من سوريا ثم اطلقه الآشوريون على الجماعة التي وجدت في تلك المنطقة ) .
وكان الآراميون جزء من حضارة بيث نهرين منذ نشاتها الأولى في العهد السومري ، لأن السومريين كانوا قد ضموا تلك المناطق إلى دولتهم وتلاهم الآكاديون والبابليون ، وحتى هذه الفترة كانت اشور لا تزال احدى ولايات الدولة البابلية ، إلا انه سرعان ما قوي ساعدها واستغلت ضعف حكام بابل ونشوب الخلافات بين الملوك ورجال الدين فتمكنت اشور من الإستلاء على السلطة واقامت الدولة الآشورية الحديثة والتي اصبحت امبراطورية هزت اركان المعمورة .

.. ان الوصف الذي يصف به دولابورت الحضارة في بيث نهرين يكاد يكون هو الهدف من بحثنا هذا ، وهذه الجملة الصغيرة تستحق ان تكون مختصرا اجمالي لهذا البحث ، وتاتي الجملة كتاكيد لما كررناه في مواضع عدة من هذا البحث من ان حضارة بيث نهرين لم تكن من نتاج قبيلة واحدة او مدينة واحدة ، بل هي التراث الذي خلفه لنا شعب بيث نهرين بكامله وبكافة قبائله في مختلف العهود منذ ما قبل سومر وحتى سقوط اخر معقل للسلطة في بيث نهرين ( بابل ) .

.. يقول دولابورت : ( انشات الأولى حضارة وتعهدتها الثانية واتمتها حتى بلغت ذروتها ، وورثتها الثالثة ، واضافت إليها من عندها ، وحمتها واسلمتها وهي تحتضر هدية للبرابرة الظافرين الذين كانوا يحيطون على الدوام بالحضارة ) .

.. اما اشور فهي مدينة واولى العواصم التي قامت في بلاد ما بين النهرين بعد انتقال السلطة السياسية الى الآشوريين ، وتقع اطلالها على الجانب الأيمن من نهر الدجلة على بعد حوالي تسعة كم من جنوب الشرقاط ، ويعود تاسيسها إلى الألف الثالثة قبل الميلاد ، اقام فيها توكولتي نينورتا ( 1260 ـ 1232 ) قبل الميلاد هيكلا للإله اشور ، استمرت حتى انتقال العاصمة إلى نينوى في القرن الحادي عشر قبل الميلاد ، وكانت مركزا دينيا خطرا .
.. في كتابه من نحن للدكتور بيره سرمس عدد بعض اواصر القرابة بين البابليين والآشوريين كالتالي :
1 ـ رابطة الأصل : كانت تربط بينهم رابطة الاصل والكيان ، واللحم والدم ، حيث ان السواد الأعظم من الآشوريين قد نزح من بابل ، وقد ظلت هذه الرابطة في استمرارية وتجدد نتيجة التزاوج والأخذ والعطاء .
2 ـ رابطة اللغة : ان اللغة الآشورية هي لهجة متفرعة من البابلية ، كما ان هذه الأخيرة هي وليدة اللغة الآكادية ، اي الفرع الشرقي في اللغة السامية .
3 ـ رابطة الوراثة : كان البابليون والآشوريون متشابهين من حيث طول القامة والهيئة والشكل ولون البشرة ، وشكل الأنف والشفاه والجمجمة ، ولم يكن بينهما اي فارق في المظهر الخارجي .
4 ـ رابطة الدين : ان ديانة الآشوريين لا تختلف في جوهرها عن ديانة البابليين ، فقد كانت صلواتهم واساطيرهم ، وشعائرهم ومزاميرهم متشابهة جدا .
5 ـ رابطة الإدارة : كانوا متجاورين منذ البداية ، وكان لهما عادات وتقاليد متشابهة وتاثرت كل منهما بمسلك الأخرى ، وعاشتا زمنا طويلا تحت صولجان واحد ، ونشات بينهما نتيجة ذلك رابطة قوية ، واخوة صادقة ومتينة .

وفي مكان اخر يقول : ( رغم المشقات والأهوال التي عانوها ، فقد استطاعوا ان يحافظوا على قدر من طبائعهم وسجاياهم الاصيلة ، وان يصونوا نسابتهم الجذرية ، ويتجلى النموذج الحقيقي لهذه النسابة بكل وضوح في البابليين والآشوريين ، فقد كان الاثنان كتوامين ترعرعا في حضن واحد ورضعا من ثدي واحد ، ويقر التاريخ صراحة انه يستحيل التحدث عن واحد منهما دون الاتيان بذكر الآخر .

 ويقول البروفسور ماتفيف : ( كان لشعوب بابل واشور ادب واحد ، ولغة واحدة ، ومترابطين بالمصير المشترك ) .
 وفي كتاب اللغات السامية لـ ولفنسون جاء ( كان الآشوريون من اقرب الاقرباء للبابليين من جهة الجنس واللغة ) .
 وفي كتاب قصة الحضارة لـ ول ديورانت جاء ( كان اليونان يطلقون اسم الآشوريين على الآشوريين والبابليين على حد سواء ) .
 ويقول يوسف مالك في كتابه ( الخيانة البريطانية للآشوريين ) : لقد كانت الحضارة الآشورية وخاصة في مجال الأدب ، امتداد للحضارة البابلية اشقاء الآشوريين المتحدرين من نفس الاصل والمحتد ) .
 والبابليين بدورهم اعتبروا انفسهم ورثاء اشور ( بعد سقوطها ) فادعوا السيادة على سوريا وفينيقيا ، على ما كان عليه الآشوريون من قبل ( فيليب حتي ، تاريخ لبنان ).
 نستخلص مما تقدم ان شعب بيث نهرين كان شعبا واحدا جنسا ولغة وحضارة وثقافة وتاريخا وارض وعادات وتقاليد ، ومصير مشترك واحد .

يتبع>>>> الحلقة الثانية

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية