ذكريات

الأيام البريئة



حركة دائمة ، وناس يتنقلون من هنا وهناك بخطى سريعة ، اصوات الشاحنات الثقيلة تدمدم وهي تنقل اكياس الحنطة تباعاً  ، وقوافل الحمالين تتجه مسرعة نحو المكان الذي سيتم تنزيل هذه الأكياس وتصفيفها لتشكل (ستوكات) عند الحراس : الياس هزاري ، ابو نادر ، يوحانون ، ابوسمعان ، الياس سركيس ، جميل كوكب ، ياباني ، حسين خلف ، عيسى كربيت ، علي عباس ، خمري والإصلاح الزراعي وغيرهم .

قطار المحطة السريع

القطار قادم من مدينة نصيبين المجاورة واخر قادم من ناحية ديريك وتل علو والقرى الأخرى الواقعة على الخط قادمين إلى قرية المحطة، والركاب ينزلون تباعاً  وهم محملين بالبضائع وسلال البيض معهم ، اصوات الموتورسيكلات موديل ثلاث دواليب تمتليئ بالركاب ليتوجهوا إلى مدينة القامشلي القريبة .

في قرية المحطة نتجه نحن طلاب المدارس إلى مدينة القامشلي البعض مشياً  على الأقدام والآخر نستقل البسكليتات حيث المدارس المختلفة. مدارس السريان ومدرسة الزهور وصلاح الدين ولاحقا العروبة وزكي الأرسوزي .

الجو في الغالب هو معتدل مع هواء قادم من الجبال التركية المحاذية وغبار مع اسراب الطيور القادمة من بعد لتحط رحالها في الحقول المنتشرة حول المحطة .
رعاة البقر والغنم في القرية جاسمو وملا ويت ويت ينتظرون في الضفة المقابلة للنهر وهم يهمون في تجميع القطعان هنالك ومن ثم توجيهها نحو الحقول على خط الحدود مع تركيا حيث الأعشاب البرية المنتشرة بوفرة لأن المنطقة هي محرمة وعازلة وفيها الالغام بعيداً  ، يعرف خط تواجدها  فقط اهل   المحطة والرعيان بحكم الخبرة .


في داخل القرية المبنية بيوتها كباقي بيوت المنطقة من الطين الممزوج بالتبن والملح ، كي تقي سكانها وهج حرارة شمس الصيف الحارقة , وبرد الشتاء القارص الجاف ، تختلط اصوات صياح الديكة وبقبقة قطعان البط في المياه الراكدة في النهر ونباح  الكلاب وصوت عربات القطار القادم والشاحنات والموتورسيكلات وحفيف اشجار التوت في ساحات بيوت القرية لتشكل صوتا سيمفونياً  مليئاً  بالحركة والحيوية .

ايام وشهور وفصول مختلفة .. ولكن الحركة في دوام مستمر.

النوم فوق اسطح المنازل

من صيف حار جداً  ومغبر ، فصل النوم فوق سطوح المنازل في العراء مع مناظر النجوم ليلاً   والسماء الصافية والأحلام الجميلة ونسمات الهواء الخفيف الذي ينعش القلوب ، لحظات جميلة ، لا يعكرها شيئ سوى إطلاق عيرات نارية وازيز رصاص عبر الحدود مع تركيا المحاذية ! إنها مناوشات بين الجندرما التركي والمهربين (القجغجية) الذين يهربون البضائع والدخان ، إطلاق الرصاص هذا يحصل مرة في الإسبوع تقريبا ، ونضطر  إلى النزول من اسطح المنازل خوفا من رصاصة طائشة كما حدث لإحدى الفتيات في قرية المحمقية المجاورة .

ويأتي فصل الخريف ، وتتساقط اوراق شجر التوت ، ويبدأ هذا الفصل الجاف بهبوب العواصف وتظهر بوادر بتغيير الجو نحو البرودة ، ونشاهد اسراب الزرازير تطير وهي منخفضة تكاد تلامس اجنحتها الأرض من شدة الهواء  وهي قادمة متنبئة بقدوم فصل الشتاء.

وشتاء ممطر ومثلج وبارد بهوائه القادم من الجبال التركية المحاذية حيث تتحول طرقات قرية المحطة إلى حقول من الطين وجداول من المياه التي تنساب نزولا نحو النهر ... ولكن يبقى سكان المحطة في اوج نشاطهم ، ولا يكلون عن العمل ، ولفصل الشتاء خصوصيته عندنا ، فرغم انه جو متعب إلا انه جميل ، والجمال فيه صوت المطر المنهمر والثلج والجلوس داخل البيوت مساء حول الصوبا للإحتماء ، كذلك هو فصل الصيد الوفير وخاصة عند تساقط الثلوج وقدوم الطيور المختلفة من زرازير وحمام بري وعصافير ملونة لتحط في الحقول المنتشرة حول المحطة حيث وفرة المراعي لهامن بقايا حبوب الحنطة بعد نقل الأكياس منها.
ويبدا الصيد وننتشر نحن شباب واطفال القرية نصطاد بالجطل (النقيفة) وننصب الفخاخ على اماكن تواجد رث البقر (القلتو) وعندما نسمع اصوات بنادق الصيادين مثل يوحانون وابو سمعان وغيرهم من القادمين من القامشلي فاننا نتراكض مسرعين ورائهم ونلاحق الطيور المجروحة لنملمها بعيدا ونضعها في جيوبنا ونحصل بدورنا على صيد وفير ، وفي المساء نشوي هذه الطيور والعصافير في التنور لناكل اشهى غذاء يمكن للمرء ان ياكله .

ربيع المحطة

فصل الربيع هو اجمل الفصول بالطبع ، ولكن قرية المحطة لها جمالها الخاص بهذا الفصل ، فالحقول حول القرية هي مزروعة بالحنطة ، وعلى جنبات النهر تنبت اعشاب وزهور متعددة تضيف جمالا لا يضاهى ، ولعل الاعشاب البرية التي عادة ما تطبخ هي سمة هذه المنطقة مثل : الطولكيه والقيفارات والحسوك والفطر ، واكثر اماكن تواجد هذه الأعشاب توجد على مقربة من الحدود مع تركيا .


المدرسة ... الفلقة !

ذكريات الطفولة وفترة المراهقة هي جميلة ولا تنسى بحلوها ومرها ، ورغم ان هنالك فترات في الطفولة هي معذبة وخاصة ايام المدرسة ، وبالأخص الفترة الإبتدائية ، فالشيئ الذي اتذكره بمرارة هو الضرب الذي كنا نتعرض له وبشكل مبرح يوميا ، بسبب او من غير سبب من قبل الأساتذة ولأتفه الأسباب ، فمثلاً : طالب لم يستطيع حل مسالة ما فانه كان يتعرض للضرب (الفلقة) على يديه ورجليه وبقسوة لا توصف ، عشرين او اربعين ضربة بعصى غليظة ! ويبدو ان الأساتذة كانوا يستمتعون بالضرب ، لا بل انهم كانوا يضيعون الحصة الدراسية باكملها بضرب الطلاب المساكين الذين لم تكن تتجاوز اعمارهم بين 7 و 11 سنة ! فكان الاستاذ يصف التلاميذ ويبدا بالضرب الواحد تلو الآخر ، واتذكر جيداً عندما كنا في الصف الثالث الأبتدائي في مدرسة صلاح الدين الأيوبي عندما قرر باننا سننتقل الى مدرسة المحطة المبنية حديثا عام 1968 اقترب مني الأستاذ وقال : ستنتقلون إلى مدرسة المحطة ؟ لقد تخلصتم من فلقاتي ! .. ، هذا الأستاذ كان مريضا نفسيا بكل تاكيد ، لقد كان له اثر سيئ في حياتنا ادى إلى كرهنا الشديد للمدرسة في تلك الفترة .

مدرسة المحطة

افتتحت مدرسة المحطة في عام 1968 وهي مدرسة إبتدائية ، وكانت البدايات عبارة عن غرفتين في منزل المرحوم موسى كلي ، ولقد انتقلنا نحن الطلاب من مدارس القامشلي لندرس في قريتنا ، واذكر جيداً الأيام الأولى للدراسة ، حيث طلب من كل تلميذ ان يجلب كرسي من بيته ليجلس عليه داخل الصف وذلك لافتقاد المدرسة لمقاعد في الشهر الأول ، وكنا في كل غرفة ثلاثة صفوف ، في الغرفة الأولى : الصف الأول والثالث والخامس. وفي الغرفة الثانية : الصف الثاني والرابع والسادس . وكان لنا مدرسين اثنين .

يوم العطلة

يوم الأحد او ايام العطل ، اين نذهب وكيف نقضيها ؟ شباب وفتيان المحطة هم كباقي شباب القامشلي في فترة الستينات والسبعينات كنا نتجه مجموعات نحو المدينة للترفيه عن النفس ، واجمل شيئ كان طبعاً الذهاب إلى السينما ..سينما حداد ، دمشق ، فؤاد ، شهرزاد ، وحضور الأفلام السينمائية كان اجمل وقت للإستمتاع وخاصة عند الذهاب مع الأصدقاء ، ، ونكون طبعا عند السينمات قبل ساعة من بدء العرض ، نشاهد الصور الكبيرة المرسومة من قبل الرسامين اسكندر ويعقوب ،  ونتجول على جميعها لنشاهد الصور المعلقة في مداخلها ،  ونلتقي الاصدقاء في تجمعات كبيرة في شارع السينمات يختلط فيها اصوات بياعي البزورات والكاتو والفلافل وغيرهم  ،  وبياعي تذاكر الدخول وهم يصيحون : يلا يلا فيلم الموسم ، احسن فيلم ، البطل ما بيموت ، فردو ما بيفضى ، سيفو ما بيتكسر ، حصانو ما بيتعب ، نفسو تحت المي ما يخلص ، وبعدين لو بيموت بتاخد ليرتك .... وهو سعر الدخول ،  والأفلام الشائعة في تلك الفترة كانت تبهرنا وخاصة الأفلام الهندية مثل فيلم سانغام وجنكلي وارزو والزهرة والحجر والطابق الثالث ، زهرة كشمير ، ماسح الأحذية ، الجسدان ، هذه الأفلام التي شاهدناها مرارا لانها كانت تعرض كل سنة ، وكان عشقنا الأكثر للممثلين الكبار مثل : شامي كابور وراج كابور ودارا مندرا وراجندر كومار وغيرهم حيث كان تاثيرهم كبير في نفوسنا وفي عاداتنا وتسريحة الشعر (مثل تسريحة شامي كابور) كذلك مشاهدة افلام المغامرات والعضلات الملفوفة مثل فيلم : ماشستي وهرقل والمصارعون العشرة وافلام ستيف ريفز ، كذلك افلام الكاوبوي كفيلم : الدولار الفضي لجوليانو جيما ، ديجانغو ، غرينغو،  وبعد العودة من السينما وفي الطريق ونحن عائدين من القامشلي إلى قرية المحطة ويكون عادة ليلا ، نقطع هذه المسافة مشيا على الأقدام ، ولإبعاد الخوف عنا وخاصة بين المسافة الخالية التي كانت تقع بين منطقة الجمرك وحتى المحطة كنا نغني بصوت عال : ايا يا سوكو سوكو ! ، وياتي دور الحديث عن الفيلم الذي شاهدناه وحلم كل واحد منا بانه مثل بطل الفيلم ، وكنا نشتري صور صغيرة للممثلين كانت تباع عند شراء نوع من العلكة انذاك في دكاكين السمانة , صور نجوم السينما الهندية : راج كابور، شامي كابور ، راجندرا كومار ، دارا مندرا ، اشا باريخ ، فيجنتي مالا ، سيرا بانو ، ممتاز , شرميلا تاغور... وابطال افلام المغامرات : ستيف ريفز ، جوليانو جيما ، غوردون سكوت ، دان فاديس ، مارك فورس ، غوردون ميتشل  ، فرانكو نيرو ، توماس ميلان  وغيرهم من الممثلين الذين كنا مبهورين بهم للغاية ، ، حيث كنا نجمع هذه الصور ونفتخر بها ، وتشبها وتقليداً لهؤلاء الأبطال كنا نتمرن على رفع الأثقال في المساء لعلنا نصبح بعضلات مثل عضلات ستيف ريفز في فيلم : هرقل ضد روما .

وتمر الأيام والشهور والسنين ، وتتبدل الحياة والناس والحركة والطبيعة  ، وفي عام 1972 تبدأ موجة الهجرة التي تسببها نقل الخط الحديدي إلى الداخل السوري وبناء خط جديد يربط مدينة القامشلي مروراً نحو دمشق ووقف الخط الحديدي نحو تركيا وبنيت محطة جديدة في الجهة الأخرى من مدينة القامشلي ، كذلك تم وقف نقل محصول الحنطة الذي كان يجمع حول المحطة ، وبنيت صوامع لتجميعها في قرية العنترية المقابلة للمحطة ، وبقيت قرية المحطة مقطوعة دون حركة ... وهاجر اكثرية ساكنيها الى المدينة ومن ثم خارج الوطن في اصقاع الدنيا ... إلى لبنان ومن ثم اوربا .. السويد والمانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها من دول العالم محملين معهم ذكريات لا تنسى مهما كان البعاد ومهما مرت السنين ، وستبقى المحطة في عين اهلها وذاكرتهم تلك القرية الجميلة التي تعج بالحركة والحيوية ، ولن ننساها ابداً رغم كل الظروف القاسية فسياتي يوماً يعود القطار الى مساره وتعود الحياة والحركة ...ونركض ونمرح في ربوعها الجميلة كما كنا نفعل في الســابق .

مع تحيات : منير ماروكي

 

 

الصفحة الرئيسية

من نحن

سجل الزوار

دليل المواقع

اتصل بنا

مدينة القامشلي

صور من القامشلي

رياضة القامشلي

اطفال

نكت

ديانة مسيحية

قصص قصيرة

صور فنانين

هل تعلم؟

سري للغاية!

حوادث غريبة

ذكريات

مذابح

تعليقات الأخبار

تعليقات الزوار

 

عجائب وغرائب

تاريخ

مواضيع اخرى

اغاني MP3

 

Home   الصفحة الرئيسية